تحقيقات وتقارير سياسية

ضعف الاستقلالية وغياب القوة التنفيذية أبرز عوائق القضاء في الجنوب

واجهت دار العدل في حوران منذ تأسيسها، العديد من الانتقادات المتعلقة بطريقة تأسيها وعدم حيازتها على “شرعية” شعبية سياسية من مجمل الجهات العاملة في المحافظة، وفق منتقديها، إضافةً إلى كثير من مواطن الخلل المرتبطة بالأمور الإجرائية ذات الصلة بعمل الدار، سواء على صعيد إصدار الأحكام، أم ارتكاز الأخيرة على الفصائل العاملة في المنطقة؛ ما أفقدها بعضًا من صدقيتها، وجعل الأحكام والقرارات الصادرة عنها لا تعبر عن استقلاليةٍ ناجزة، جوهر أي مؤسسة قضائية.

مآخذ وسلبيات

يرى عدد من ناشطي محافظة درعا أن الدار عانت وتعاني امن مواطن الخلل، في طريقة إدارتها وعملها، جعلها في -كثير من الأحيان- مجرد هيئة لا تتمتع بأي قدرة تنفيذية ملزمة، وفي هذا السياق عدّ عصمت العبسي، رئيس الدار، أن مدى قدرة الدار على فرض أحكامها وقراراتها تخضع لعوامل على الأرض، وقال لـ (جيرون): “هذه المسألة نسبية إن صح التعبير، والالتزام بالأحكام والقرارات الصدارة عن الدار يشهد مسارًا تصاعديًا، باتجاه الأفضل تدريجيًا، ويمكن القول بأنه ضمن الأوضاع التي نعيشها، والمعروفة للجميع، هناك تجاوب مقبول وإن لم يرتقِ -بعد- إلى المستوى المطلوب أو المأمول”.

من جهته، قال الناشط سامر المسالمة لـ (جيرون): “ربما أكثر المآخذ على الدار أنها لم تكن نتاج كيان شرعي، يعطيها أسباب وجودها، فليس الخلاف على الدار بحد ذاتها، وإنما حول المشروعية السياسية لها، فقد طالبنا -قبل إنشاء الدار- بضرورة وجود مظلة سياسية، أو مجلس سياسي لعموم حوران، يعطي الشرعية لأي مؤسسة ثورية، لكن لم يتم الإنصات إلى مطالبنا، وهنا بدأ الخلاف، لأنه تم إنشاء مؤسسة ثورية دون غطاء سياسي، يمنحها المشروعية كمحكمة دستورية عليا، منبثقة عن كيان سياسي جامع، الأمر الذي أوجد العقبات والسلبيات في عملها، فالدار اعتمدت على الفصائل في ميثاقها، أي أن القوة التنفيذية الداعمة لتنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة عن القضاء، تتبع الفصائل العاملة في حوران، وهي في الغالبية -للأسف- من يفتعل المشكلات، وبالتالي؛ أصبحت الدار غير قادرة على إقامة العدل على الداعم العسكري لوجودها، باختصار دار العدل -كفكرة- لا أحد ضدها، ولكن هذه الفكرة بحاجة إلى أسس ومعايير؛ كي ينتج عنها عمل غير منحاز لأحد، وهي أبرز نقاط الخلاف مع الدار”.

أحكام تُحابي الفصائل العسكرية

ارتكزت معظم الانتقادات المتعلقة بدار العدل في حوران، على أن الأخيرة تضطر -في أحكامها والقرارات الصادرة عنها- إلى مراعاة بعض الفصائل الكبيرة في المنطقة؛ لعدم قدرتها على إلزامها بتلك الأحكام، وهو ما أدى -في كثير من الأحيان- إلى تفريغ عملها من مهمته الأساسية بإحقاق الحق، وتركَ الضعيف دون ناصر أو معين، وهنا قال المسالمة: “لا أحد يتحدث عن أن الدار تتقصد الظلم، ولكن طبيعة إنشائها فرض وجود تمايزٍ في الأحكام، وبصراحة أكثر، القوي له معاملة خاصة، تختلف عن معاملة الضعيف، وهذا يعود للأوضاع التي ساهمت في تكوين دار العدل، وتحدثنا عنها، وأهمها قضية التمويل، فأغلب تمويل دار العدل يأتي مما يمكن تسميته (فزعة) الفصائل، وهذه المسألة أثرت كثيرًا في استقلاليتها، في إصدار الأحكام؛ لأنها بالأساس لم تقم على أسس صحيحة، بمعنى المقدمات كانت خاطئة، وبالضرورة النتائج خاطئة”.

بالمقابل رفض العبسي هذا التوصيف، وقال: “المسألة ليست بهذه الصورة، والكلام عن مداهنة الفصائل غير صحيح، وأؤكد -في هذا السياق- أن كل أحكام الدار مستقلة، ومستعدين لمناقشة أي إنسان بأي حكم صدر عن الدار، الخلاف هو حول القدرة على تنفيذ الأحكام، وهذا الأمر يحتاج لقوة تنفيذية، والجميع يعلم أنه لا يوجد جهاز شرطة يتبع لدار العدل، بالتالي؛ المأخذ هو بعدم القدرة أحيانًا على التنفيذ، وليس بالأحكام والقرارات نفسها، ومعلوم أن القوة التنفيذية العاملة -الآن- تتبع لفصائل الجيش الحر والجبهة الجنوبية، ومن هنا أقول: إن القضاء بحاجة لقوة مستقلة، تتبع بشكل كامل لدار العدل، مسؤوليتها متابعة تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة عنها”.

الاختصاصات والاحتياجات

أوضح العبسي أن اختصاصات الدار هي النظر في كافة القضايا الجنائية، والجنح، والقضايا المالية والعقارية والأحوال الشخصية، مشيرًا إلى القانون المعمول به في دار العدل هو القانون العربي الموحد، ويضاف إليه (قانون الخوارج والمخدرات) اللذين تم اعتمادهما من الدار، مضيفًا في هذا الجانب: “لا يمكن عزل عمل دار العدل عن القضايا السياسية والعسكرية، ومجمل تفاصيل الواقع على الأرض، بمعنى دار العدل ومجلس محافظة درعا، هما الهيئتان الوحيدتان اللتان عليهما إجماع داخل المحافظة، وبالتالي؛ تعدّ الدار مرجعية في العديد من المسائل، دورها يتمحور حول تقريب وجهات النظر وتوحيد الصفوف، أما أن يُقال بأن للدار دورًا سياسيًا أو عسكريًا، فهذا غير صحيح، وليس من اختصاص أو مهمات دار العدل”.

تجمع معظم الآراء أن ضعف التمويل وغياب أجهزة تنفيذية، تساعد دار العدل في عملها، من أهم النواقص التي تحتاجها الدار، وهو ما يؤكده العبسي بقوله: “أبرز النواقص هو ضعف الدعم المالي، وضعف القوة التنفيذية، إضافةً إلى عدم وجود مؤسسات رديفة أو مكملة لدار العدل، فالدار هي مؤسسة قضائية تحتاج لوجود مؤسسات تنفيذية ومديريات عديدة، مثل مجلس محافظة قوي، مركز بحث جنائي، وجهاز شرطة، ومخبر أدلة جنائية، ومكتب للطبابة الشرعية، وغياب هذه الدوائر يعيق عمل الدار بشكل كبير، وبالتالي؛ المطلوب إزالة هذه المعوقات وتأمين الدعم المادي المستقر وغير المشروط”.

في حين ذهب المسالمة إلى أن السؤال الأكثر دقة الأن هو ما الذي تحتاجه حوران؟ وليس دار العدل فحسب، وأضاف: “أعتقد أن حوران تحتاج إلى مجلس سياسي ينبثق عنه عدة مكاتب، عسكرية، قضائية، إغاثية، وغيرها، فالفكرة الأساسية أننا نحتاج اليوم لمشروع كبير، تكون دار العدل جزءًا أو فرعًا منه، أما على صعيد الأداء على الأرض تحتاج الدار إلى جهاز شرطة مستقل، وإلى إعادة هيكلة وإصلاح مستمر على مستوى الكوادر، فأغلب قضاة الدار محسوبون على فصائل معينة، ومن البديهيات أن القاضي ينبغي أن يكون مستقلًا، لأنه لا يمكن لقاضٍ خائف أو جائع أن يحكم بالعدل، ولذلك أعتقد أن الأمر أعمق وأعقد من الطريقة التي تتم مناقشته عبرها، ومن هنا يجدر التأكيد على أن المظلة السياسية، هي السبيل الوحيد لإنقاذ كل المؤسسات العاملة على الأرض، وفي هذا السياق، دعونا سابقًا إلى تشكيل هذه المظلة، وعقدنا عدة اجتماعات مع شخصيات كبيرة وفاعلة في مختلف المجالات، ولكن للأسف جوبهنا بمعارضة شديدة، لأن المصالح الشخصية بالنسبة لأولئك المتحكمين بمفاصل الثورة في الداخل، ومن يرتبط بهم في الخارج، أهم من المنفعة العامة، وبالنتيجة تم إجهاض المبادرة”.

تجدر الإشارة إلى أن تصريحات رئيس دار العدل في حوران، عصمت العبسي، أخذت قبل حادثة الاغتيال التي أودت بحياة عدد من أبرز شخصيات المعارضة في درعا وأصيب فيها العبسي إصابةً بالغة، ونقل على إثرها إلى المستشفى لتلقي العلاج، واقتضى التنويه في هذا المقام إلى أننا في جيرون نتمنى الشفاء والسلامة له، ولجميع أهلنا في سورية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق