هموم ثقافية

حول “عيوب” بيان المثقفين السوريين

من بين المآخذ التي سجلها في مقاله “مآل الثورة في بيان مثقفيها” (المدن، 16/09/2016) حول بيان الكتاب والفنانين والصحفيين السوريين، رأى ساطع نور الدين أنه ينطوي على رسالة مُرسّلَةٍ “من مجهول مع أنها تحمل تواقيع محددة لأسماء معروفة جيدًا ومحترمة جدًا”، وتبدو كما لو أنها موجهة “إلى مجهول مع أنها توجّهت بالاسم إلى زعماء دول ومؤسسات”، وأن هذه الرسالة “وصلت متأخرة جدًا”، وأن البيان يوجِّهُ إلى الأميركيين والروس “إتهامات مكررة ومعادة منذ سنوات الثورة الاولى، ويعرضها بوصفها اكتشافًا جديدًا للسياسة الدولية تجاه سورية، أو فتحًا استثنائيًا لقلاعها الروسية والأميركية المتواطئة مع نظام الأسد بشكل أو بآخر”، فضلًا عن عيوب أخرى ” مصدرها نقص المعلومات السياسية وحتى الثقافية العامة”.

تدفع هذه القراءة إلى البحث عن الأسباب التي جعلت صاحبها يستخلص هذه النتائج، مثلما تحمل أيضًا على التساؤل عما إذا كانت لغة البيان بالفعل، كأي لغة قانونية أو سياسية، حمّالة أوجُه ومن ثمَّ يمكن أن يؤدي أحدها إلى تسجيل مثل هذه المآخذ.

تجدر الإشارة أولًا إلى أن هذا البيان ترجم إلى الفرنسية والإسبانية والإنكليزية كي ينشر في الصحف الناطقة بها في الوقت نفسه الذي ينشر فيه بالعربية. ومما يؤسف له أنه لم يترجم إلى الروسية وإن كان نشره سيواجه ما يشبه الاستحالة في الصحف الناطقة بها.

أي بعبارة أخرى، يجانب كل تدقيق أن يُقال إن البيان يوجِّهُ رسالة إلى زعماء دول ومؤسسات، كما هو الأمر حين يُقال إنها رسالة من مجهول. ولا يشفع لهاتين القراءتيْن أن تُسْتَبَقَا بـ”كما لو أنها” كي تذهبا إلى حيث ما لا يحمل البيان حتى على افتراضه! إذ حين يبدأ بتحديد صريح وواضح: “نحن كتابٌ وفنانون وصحفيون سوريون، ديمقراطيون وعلمانيون، معارضون لنظام الطغيان الأسدي طوال سنوات أو عقود، ومشاركون في النضال من أجل الديمقراطية والعدالة في بلدنا، وفي إقليمنا والعالم” فإنه لا يترك لا في شكله ولا في مبناه، ولا حتى فيما بين سطوره مجالًا لأي افتراض ولا لأي تأويل سوى ما تعنيه مباشرة كلمات هذا المقطع الافتتاحي فيه. فلماذا مثل هذا الافتراض إذن؟

ثمَّ، لماذا يقرر الكاتب أن “الرسالة جاءت متأخرة جدًا”؟ وما الذي كان يفعله الكتاب والفنانون والصحفيون السوريون فرادى وجماعات لا خلال نيف وخمس سنوات فحسب بل على الأقل منذ العام الذي تم فيه توريث الجمهورية لعائلة الأسد ولمن يلوذ بها؟ هل اقتصر ارتياد السجون على سواهم من الناشطين السياسيين أو القادة الحزبيين؟ هل هذا هو أول بيان يصدروه؟ هل هو التعبير الوحيد الذي صدر عن الكتاب والفنانين والصحفيين السوريين؟ ولماذا تجاهُلُ هذا الانفجار في الأصوات السورية في مختلف المنابر الورقية والإلكترونية بصرف النظر عن السمعيات/البصريات على اختلافها؟

أما أن يتمثل “العيب الوحيد” في أنَّ رسالة البيان جاءت متأخرة مما يحيلها إلى “نص طوباوي لا يمكن الرجوع اليه والبناء عليه إلا في حلقات الذكر الثقافي- السياسي”، فذلك ــ فضلًا عن هذه السخرية التي لا تفرض نفسها في هذا المقام بالضرورة ــ يضفي على نصوص بيانات الإدانة أو الاحتجاج ما لا قبل لها بحمله أصلًا. إذ متى كانت وظيفة البيانات تتجاوز مهمة التحريض أو الإعلام أو الشهادة أو التعبير عن رأي جماعي قد يصمُّ المرسل إليهم آذانهم وأفئدتهم عنه؟ وما الذي كان يمكن أن يحدث لو افترضنا صدور هذا البيان نفسه في الموعد الذي يعتبره الكاتب مؤاتيًا؟

هل هو فعلًا رسالة أرادت أن تطلق مجرد “صرخة ثقافية – سياسية، في وجه النظام العالمي الحاكم” أو “لتعلن ان الثقافة والسياسة في سورية لم تندثر، ولم تختفِ وراء ذلك الصراع المدمر بين أقصى الاستبداد الذي يمثله نظام الأسد من جهة وبين أقصى التطرف الإسلامي الذي يتقدم ويتمدد بين مناهضيه من جهة أخرى”؟ ألا يعني النظر إليها على هذا النحو إغفالًا لمضمونها الأساس (توصيف كفاح السوريين التحرري، الصفقة الكيمياوية، مصير العدد غير المحدود من المعتقلين، حصار المدن والمناطق، الميليشيات الطائفية على الأرض السورية لمساندة النظام الأسدي..) ولمرماها (رفض الاتفاقية الأخيرة جملة وتفصيلًا، والتنديد بالتواطؤ الروسي الأميركي) ولمن تتوخى وصولها إليه (الرأي العام في دول الغرب الديمقراطي)؟

ثم أليس غريبًا القول إن “رسالة الكتاب والمثقفين والصحافيين السوريين الـ 150” قد جاءت “من خارج أي سياق”؟ ماذا نسمي إذن ما يجري في سورية اليوم؟ ألا يؤلف الاتفاق الروسي الأميركي الأخير سياقًا كافيًا، وهو الذي يأتي كآخر حلقة في سلسلة الاتفاقيات والمؤتمرات والتواطؤات الروسية الأميركية منذ عام 2013 على الأقل كما يقول البيان على وجه الدقة؟ ألا يقول مضمون البيان نفسه هذا السياق؟

من الواضح أن البيان لا يخاطب السوريين بل إنه لم يكتب لهم أساسًا، وإنما يحاول أن يكون بالأحرى صوتهم. من الطبيعي والحالة هذه أن يكرر البيان لمخاطبيه من الرأي العام في الغرب ما يصفه المقال المشار إليه على أنها “اتهامات مكررة ومعادة منذ سنوات الثورة الأولى”. إذ لم نسمع بعدُ أن الرأي العام الأوربي والأميركي قد أدرك تمام الإدراك ما جرى ويجري في سورية، أو أنه انحاز إلى قضية السوريين التحررية، أو أنه كف عن أن يرى فيهم مجرد سلفيين إسلامويين يؤلفون الهدف الأول لحرب شاملة ضد الإرهاب! كلُّ من يتابع وسائل الإعلام الفرنسية والبريطانية والأميركية ــ وهي المرجع الأساس في تكوين الرأي العام ــ يعلم تمام العلم أنها في غالبيتها العظمى تشارك مشاركة حثيثة في إعادة تأهيل النظام الأسدي عبر التركيز على الحرب ضد الإرهاب بل والتعاون معه في خوضها ما إن أعلن تنظيم الدولة الإسلامية عن مسؤوليته عن العمليات الإرهابية في مدن فرنسا وبلجيكا. ولقد شهد الجميع على سبيل المثال كيف أن الأولوية في السياسة الخارجية الفرنسية الخاصة بسورية قد أعطيت بعد العملية الإرهابية في تشرين الثاني من العام الماضي للحرب ضد تنظيم الدولة دون أي هدف آخر.

لا يشير المقال وهو يذكر بقدر من الإجحاف وجود “عيوب أخرى كثيرة مصدرها نقص المعلومات السياسية وحتى الثقافية العامة” إلا إلى عيب واحد منها تجلى في “المطالبة بتغيير النظام العالمي” واعتبرها “قفزة غير موفقة ومغامرة غير مناسبة”، لأنها “لا يصح أن تصدر إلا عن قوة أو قوى عالمية كبرى”! ولماذا تحديدًا؟ ما الذي تستطيع أية قوة عالمية أن تفعله ضد القوتين الأميركية والروسية بحيث ترغمهما على تغيير النظام العالمي الذي يسيِّرانه فعلًا متفقتيْن أو مختلفتيْن أو متواطئتيْن؟ من المؤكد أن الموقعين على البيان لا ينطلقون إلا من الصفة المهنية التي وصفوا بها أنفسهم في بداية بيانهم. وبسبب هذه الصفة تحديدًا وبما يمكن أن تخولهم من حقوق، لا يصح، بالأحرى، الحكم على مطالبتهم بضرورة تغيير هذا النظام الدولي الذي “تحطمت ثورة السوريين على جداره الصلب، وليس على جدار الفاشية الأسدية وحدها” بأنها قفزة غير موفقة.

لا يفوت كاتب المقال، مع ذلك، أن يشير إلى ما نجح البيان في تحقيقه: “تصحيح صورة سورية وثورتها وإزالة الشوائب التي علقت بها وكادت تختزلها بأرض الميعاد الاسلامي، أو البعثي، أو كادت تختصرها بالحرب العالمية العشوائية على الارهاب، التي برهن النظام أنه أشد براعة في استثمارها.. والتي لم تجنٍ منها المعارضة سوى الهلاك” قبل أن يرى أنه “لا بد من نص مقبل، لا بد من نصوص لاحقة، تنزل من مستوى الاستنكار للنظام العالمي الجائر بحق سورية، والادانة للغزو الروسي والتواطؤ الاميركي، وتؤسس لحراك سوري موازٍ يخاطب عموم السوريين ويجادل في الثورة وخصومها الكثر، ويشكل قوة ضغط حقيقية على مؤسساتها”.

قد يكون ذلك شديد الأهمية. لكنه على أهميته أمرٌ آخر. فقد كان المأمول قبل ذلك أن يُقرأ البيان في مراميه الواضحة والبليغة، بلا أفكار أو حتى أحكام مسبقة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق