أدب وفنون

من المثال إلى الأيقونة نادية السفيرة الأممية

يصح اليوم القول: إن الأخبار باتت تبحث عنك وتصلك، لا العكس، لم تعد المنافذ محدودة، أو حكراً على فئةٍ دون غيرها، ويكفي أن تختار الاتصال بأقرب شبكةٍ إليك؛ ليصلك سيل الأحداث الجارف، خصوصًا إذا كنت تريد أخبارًا عن بقعةٍ ساخنة مثل سورية.

قبل عدة أيام ضربني الفيضان المعلوماتي هذا، دخلت إلى صفحتي في “فيسبوك”، وتركت الأمور تأخذ مجراها، ولفت نظري خبرٍ أكثر من غيره، خبر يحتفل بتعيين نادية مراد، سفيرةً أممية للنوايا الحسنة، والجميع يحتفل به، فالعدل تحقق، ومن جدّ وجد، فبعد أن قاست نادية الأمرّين؛ بسبب سبيها واستغلالها من تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014، وقدَّمت صورةً عن طريقة تعامل هذا التنظيم الإرهابي مع المرأة أولًا، واليزيديين ثانيًا، ها هي تُقلَّد أرفع المناصب في عالمنا المثالي.

والآن، وبعد أن ابتدأت رحلتها بالهروب من قبضة تنظيم الدولة، ثم التقت أمل كلوني، ووصلت لتكون سفيرة أممية، هل بات كل شيءِ على ما يرام؟ بالطبع لا.

لستُ أصوغ الكلمات هذه؛ بغرض الهجوم على ضحية، ولست متحدثًا بخطاب كراهيةٍ أو سواه، بل ما يدفعني للمتابعة، بعد هذه المقدمة، هو إيمانٌ راسخٌ بأن نادية مراد، التي يُفتَرض أنها خضعت لتحولٍ مهمّ، من ضحية إلى سفيرة، لا زالت ضحية منظومةٍ أو مؤسسةٍ ما، فالاستغلال الجسدي الذي تعرضت له، في ما مضى، أضحى الآن اسميًا، ومبدأ الاستغلال الاسمي، هو قناة تفريغٍ -إن صحت التسمية- لامتصاص الغضب والاحتجاج تجاه أي ظلمٍ يصيب فئةً من البشر، واختصار للمأساة بشخصٍ من شخوصها، ونسيان الحالات المشابهة الباقية، ونادية التي تُنتشل -بدايةً- من المنطقة المضطربة، تحوّل إلى مثالٍ عن تأثير الحرب في سورية والعراق على المرأة، ومن ثم، إلى رمزٍ، فأيقونة، وينتهي كل شيءٍ.

ليست هذه المرة الأولى التي تُوجّه فيها الأنظار نحو جزئيةٍ؛ لاختصار مشكلة عامة، إذ لطالما اختزلت معاناة اللاجئين السوريين ثم أهملت، مثلما حدث مع اللاجئ بائع الأقلام، قبل سنة ونيّف، فبعد أن سُلطت العدسات على قصة بيعه الأقلام في بيروت، جُمِعت التبرعات التي وصلت لنحو 180 ألف دولار، فأسس أعمالًا، ووظف 16 لاجئًا، من أصل خمسة ملايين، ما أدّى إلى راحة وشعور بالرضا من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، الذين احتفلوا وكأنهم يحتفلون بانتهاء أزمةٍ دولية هي الأخطر في هذا القرن.

المنصب الفخري الذي ستُتوّج به رمز المرأة المكافحة، التي تعرضت للاضطهاد، وستتقاسمه مع قادة في المجتمع، كأنجيلينا جولي، وليونيل ميسي وغيرهما، هو منصبٌ شكلي لمنظمةٍ رأسمالها النيّة فحسب، وستحاول نادية -وفق وسائل الإعلام- من خلال عملها الجديد، أن “تُناصر الناجين من الإتجار بالبشر”، و”ستسعى لتسليط الضوء على ضحايا الإتجار بالبشر”، وغيرها من المصطلحات الفضفاضة، وربما سترتدي نظارة شمسية، وتضع واقيات شمس حين تزور المخيمات، والقرى النائية في العالم، وتُربّت على كتف إحداهن، أو تمسك بيدها، وتبتسم للصورةٍ، وينقضي الأمر، على أمل أن لا يُنسيها هذا المنصب مأساتها، ولا يُفقدها بوصلتها.

مقالات ذات صلة

إغلاق