أدب وفنون

الخبر الأول

لم أقل ذلك، العشرات انحصروا جغرافيًا في منطقة محددة.

– “الأخبار السياسية تصاغ في القصر”

لكن مصدر الخبر مكتب وكالة “سانا” بدرعا، نحن لم نقل ذلك.

صوت صراخ يعلو، تكهربت الأجواء، خيمت ثوان قليلة، قبل أن تحذو لهجة التحذير مسارها النهائي، ليس لنا خبرة في كل هذه السياسة، كنا نعتقد أننا نعمل بصوغ الأخبار، ونتقبل ما فيها، بحجة المدرسة الرسمية للإعلام.

من جديد صوته على الهاتف: “هذا وطن، علينا جميعًا أن ندافع عنه، ونكون معه في اللحظات القاسية، والخبر يحتمل قراءات أخرى غير التي تراها”.

سألته بعد هدوء أبداه، في محاولة لامتصاص قهري، لكن نحن أمام خبر، لماذا لا نتركه بدون سياسة، هو خبر نضعه بين أيدي الناس، ونترك لهم حرية قبوله أو رفضه، هو خبر صحافي، ثم إن لم نكن في حيادية الممكن، سنكون أعداء الناس في الشارع؟

حدد خيارك: إما مفهومك للخبر، أو الوطن، لا خيارات متاحة للترف الذي ترغب بممارسته.

عشية الثامن عشر من آذار/ مارس 2011، تناقلت وكالات الأنباء العالمية في خبرها الأول، نقلًا عن وكالة “سانا” الرسمية: “مندسون يستغلون تجمع عدد من المواطنين في درعا، ويحدثون شغبًا، ويلحقون أضرارًا بالممتلكات العامة والخاصة”.

ثمة قتيلان على الأرض، بفعل رصاص الأمن السوري، وغدًا سيتم تشييعهم؟

“لا يهم، التوجيهات تأتيكم يوميًا، التزموا الخط الوطني”.

ظلت صفعة الخبر الأول، تلاحقنا جميعًا، لعنة سندفع ثمنها شتاتًا كبقية السوريين، نحاول أن نستسيغ الفرق بين الخبر والسياسة، نطعم أنفسنا ذات ليلة من حصار الجوع، خبرًا غير حيادي، لكنه سيغدو أقل لعنة من أول خبر.

 

الخبر الأول وشتاته

على مدار سنوات الثورة، كان الخبر السوري أولًا، وإن تأخر ليوم أو بعضه، فإنه سرعان ما يعاود الصدارة، وستمضي بعض المؤسسات الإعلامية، في طريقها، بعد أن تنجز الرسالة الأولى، الخبر أو الوطن، وربما بصيغة أكثر حدة في كواليس التحرير: “الخبر أو لقمة العيش”.

في عمّان منتصف 2012، القدر ذاته، بين الخبر والوطن، حاولت أن أقنع مدير المحطة التلفزيونية، المناصرة لتطلعات السوريين في ثورتهم، برفضي إجراء المقابلة مع ممثل حركة حزب التحرير الإسلامي.

– أنت صحافي لا تخلط بين السياسة والصحافة.

القضية أبعد من هذا الطرح أستاذ، هو يتحدث عن مركز الخلافة الإسلامية في الشام، ويرغب باستثمار اللقاء لقول ذلك! وأكثر هذا تجييش لا علاقة له بالصحافة.

ليقل ما يشاء هذا حقه، ونحن لا نصادر الآراء، أنت صحافي ولست “بوليس”.

نعم. لكن هذه ثورة السوريين، وهي ليست بهذا الوارد أبدًا، أنا سوري، ثم لماذا هم يختارون الشام، وهم يقيمون في عمّان، أليس محل إقامتهم أوجب؟

 

في محطة العمل التالية، كنا صحافيين كثرًا، وبدا الوطن أولوية للجميع، فقد دُعينا لتسلم مساعدات غذائية، نظرًا لتأخر الممول في إرسال استحقاقات العمل، وبدت تفاصيل اللجوء المريرة حاضرة، ولن يكون الخبر محوريًا، ودافعا لتحولات مجتمعية، لنقبل التباين في القراءات، والأمر سيغدو طبيعيًا، أمام تحول مؤسسات إعلامية كبيرة، وانحيازها لصالح السياسة بدل الخبر.

وفيما تواصل الثورة السورية مسارها، فإن الخبر الصحافي الملازم لها، يُعاد فيه النظر –يوميًا- عشرات المرات، ويجد الصحافيون السوريون أنفسهم، محاطين بانتقادات شديدة، من الحاضنة الشعبية للثورة، ومن الناشطين الإعلاميين، بالتزامن مع وجود خلافات حادة بينهم، على كيفية تسيير المركب الإعلامي، إلى الضفة الصحيحة، فيما المشهد أكثر قسوة، في ظل نظام الأسد، حيث لا تحلوا صور “السيلفي”، إلا مع كبار القتلة، وعلى جثث الأطفال والمدن، من ميشيل عازر إلى مراسل الـ “بي بي سي”.

 

ضاع الخبر ضاع الوطن

ضاع الوطن، نعم. ليس لافتراقه عن الخبر، أو لأن حجمه أكبر، أو لأن أولويته أهم، فالاعتقاد السائد أن اللاعبين الكبار في القضية السورية عملوا جهدهم؛ لتشتيت كل ما يمكن أن يُوحّد الرؤى والمواقف، حتى وإن كان خبرًا صحفيًا، يصدر عن مؤسسة بحجم الوطن وآلامه، تقدم رؤية مصدرية، تضم الجميع، تقدم خبرها بلغات متعددة، قادرة على إيصال الرسالة بما يتلاءم وحجم الثورة وتضحياتها.

عشرات الإذاعات انطلقت مع بدء الثورة السورية إلى اليوم، ومثلها مواقع إلكترونية، ومحطات تلفزة، تكتنفها الأسئلة، ومصيرها المجهول، وبعضها أغلق مسرعًا، على الرغم من تعبيرها عن إعلام بديل، تطلع إليه السوريون، يتيح مساحة واسعة من الأفكار، والآراء والتصورات، وحرية التعبير. إن تفسير الكثرة، مقابل تغييب الكيان الإعلامي المستقل، بروحه وتوجهاته، وخبره الصحفي ولغته، يطرح الأسئلة دومًا، حول الهدف والمغزى والتوجه، على الرغم من شروط التمويل غالبًا، لكنّ قليلًا من المال يمكن جمعه، مقابل هدف إنشاء مؤسسة إعلامية، تبدأ من الخبر السوري خبرًا، وصولًا إلى الدراسات البحثية، والأهم أن تكون، جامعة للسوريين.

ثمة محاولات جادة لقيام مؤسسات إعلامية سورية، في خطابها وخبرها، لكنها تبقى في هامش شرف المحاولة، لعوامل متداخلة، وسط الفضاء الإعلامي المزدحم الحليف لنظام الأسد، الذي يخطف حضورها، وينافسها في قضيتها، فيحرف البوصلة عندما يشاء، ويمارس تضليلًا لا يقل خطورة عما يحققه حلفاء الأسد من جذب للرأي العام، غربيًا في المدى القريب، وعربيًا في حدود الممكن، وهو ما يتطلب جهدًا أكثر كثافة ومردودية، لبلورة خبر سوري سوري.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق