أدب وفنون

هذا ليس موتنا

القنَّاصُ في الخبز المؤجَّلِ

صيّادُ الأطفالِ في علبِ الحليب

الموزاييك الّذي فَقَدَ أصالَته المحليّة

واستبدلَ أشلاءنا بفسيفسائِه

مَنْ عَبَرَ بساتينَ الغوطةِ بنعالٍ غريبةٍ

مَنْ تَرجَّلَ من برميل

أو نِقَابٍ أسود

 

كلُّ ذلك …

ليسَ موتًا سوريًّا

……

اغتالوا موتنا

******

كانَ موتُنا طائرًا يسرحُ بيننا

يمدُّ يدَهُ إلى الرُّفوفِ كالأُنس

يشاركُنا انتقاءَ الصُّور

وعطرَ الرحيل

يتدثَّرُ بالملاءاتِ النَّظيفةِ

ينصاعُ للحمَّامِ وتمشيطِ الشَّعرِ

كطفلٍ حديثِ الولادة

*******

كان موتُنا أنيقًا

لا يرحلُ

قبلَ أنْ يأخذَ حصتَه من الآس

ويضعُ وردةَ الشُّرفة

في جيبِ قميصهِ

ومن بابِ اللَّباقة

يتركُ طيفَ ابتسامةٍ

في سريره

******

كان موتُنا حنونًا

يتركُ لنا عتبةً للوداع

لدعوةِ أصدقاءِ الجنازة

وإذا ما بدأتِ الأمهاتُ بالمراثي

كان موتُنا

يتوارى في صندوقِه خجلًا ً

لا يعكّرُ صفوَ الحزن:

“يا صحن تفاح

مرشوش ماوردي

رحت ع الرِّيق

ولا مِتْغَدّي”…

يفردُ فسحةَ الشَّجنِ كاملةً

حتّى آخرِ مرثيَّة:

“يا قلب لوَّعوك بعُود شُومَر

عليّي من أمور الدَّهر شو مر

أَمَرّ من زومٍ عن الصبر انزل”…

*** ***

امرأةٌ تصرُخ بغتة

أمسكَتْ بالعبارةِ الّتي تحومُ على رأسِ لسانِها منذُ الصَّباح:

” يا الله…

الأولاد الضَّالون

لم يعودوا ليلبسوا أكفانَهم…”

ترقدُ غمغمةٌ خَشِنَةٌ

في حناجرِ الأمهات

الحدقاتُ تتكَّسرُ بلا دموع

في التغريبة

لا مجالسَ عزاء

تبعثُ المراثي من سباتها

الرَّاحاتُ تهيمُ طيورًا فَزِعَةً

كأنَّها انتُزِعَتِ الآن

من لوحة غرنيكا

…. …..

الغرابُ

يسخرُ مِن أكفانٍ مكدَّسةٍ

في خزائننا

يمتَدحُ براعتَنا في الحفر.

*****

إذا استثنيتُ قصيدتي

لا شيءَ بشريًّا في المشهد

….. إنها غرنيكا بيكاسو.

مقالات ذات صلة

إغلاق