كلمة جيرون

السيئ والأسوأ

شهد السوريون -خلال الأيام الأخيرة الماضية- خلافات جدّية بين روسيا والولايات المتحدة، أساسها قضيتهم، تصاعدت -سريعًا- من “تحرّشات” لفظية دبلوماسية، إلى “تشبيح” علني، في التصريحات الرسمية، وفي الإعلام، وعلى منابر الأمم المتحدة، كانت نتيجتها المتوقعة أن اتفقا على الاستمرار في خلافاتهما، واتفقا -أيضًا- على مواصلة المقتلة السورية، إلى حين.

أثارت هذه الخلافات المعارضة السورية، فانتقدت من راهن على الزعيم الأميركي “غير الأبدي”، باراك أوباما، ومن قدّم نفسه بصورة صديق وفيّ، ومُنقذ مُخلِّص، ونبّهت إلى أنه صاحب دور كبير في تعقيد قضيتهم، بسياساته العرجاء، وتردده السلبي، ومماطلته في إيجاد حل أو فرضه، وتراخيه مع النظام، وإتاحته المجال لروسيا لتلعب لعبتها، وتُنفّذ استراتيجياتها على حساب الشعب السوري، ومأساته، واحتضاره وموته.

المعطيات الملموسة جميعها، تُشير إلى أن هذا الوصف لسياسات الزعيم الأميركي، صحيح بنسبة كبيرة، حيث كان -وإدارته- سيئًا في تعامله مع الثورة السورية، ومع المعارضة السياسية، وتلاعب بها، وقرّب منه أكثرها انتهازيةً، وحجب عن المعارضة المسلّحة ما يمكن أن يُوقف “براميل” النظام، كما منع إقامة مناطق آمنة يحتمي بها المدنيون الهاربون من جحيم الحرب، وسمح للنظام باحتقار الخطوط الحمراء التي وضعها، وغضّ الطرف عن السرطان الإيراني، وأذرعه وأمراضه، ولم يفرض هيبته مرة واحدة على روسيا، وفسح لها المجال للاستمرار بدعم النظام، واستفرادها بالحل، وساهم “بشكل غير مباشر” بقتل السوريين ودمار بلدهم.

لكن، هذه المعارضة السورية نفسها، نبّهت إلى وجود السيئ، والأسوأ، فعلى الرغم من كل السيئات التي يتصف بها هذا الرجل، وإدارته ومجموعته، فإن الرئيس “الأبدي” فلاديمير بوتن هو الأسوأ، بل ربما الأسوأ على الإطلاق، فمواقفه أكثر وضاعة، لم يعر فيها أدنى أهمية لأي مبدأ إنساني، وشارك -بشكل مباشر- في قتل السوريين، من خلال دعمه “أسوأ السيئين”، وأعتى الديكتاتوريين، الملطخة أياديهم بالدماء، والغارقين في الفساد، وكافأ القتلة على ما فعلت وتفعل أيديهم.

المعطيات الملموسة جميعها، تُشير -أيضًا- إلى أن هذا الوصف لسياسات الزعيم الروسي صحيح بنسبة كبيرة، فقد جرّب في سورية أسوأ أنواع الاستراتيجيات، وأراد استرجاع مجدٍ زائل عبر الممر السوري، فدعم النظام، بالمال والتدريب والخبراء، وبأكثر الأسلحة فتكًا وأبشعها، وأنقذه بالفيتو مرارًا، وأرسل خبرائه لتدريبه على أساليب قتل أشمل وأوسع، واحتقر مطالب الشعب الثائر، وتحالف مع إيران وأسعده حقدها، وشجّع الميليشيات المُنفلتة، ورحّب برفع مستوى الطائفية، وساهم بنصيبه في قصف المستشفيات وتدمير ما لم يُتِح الوقت للنظام تدميره.

المعطيات الدولية الأخرى جميعها، تؤيد هذا الوصف؛ فبوتين، الذي يتناوب الحكم مع زوج اخته ديمتري ميدفيدف، لم يستطع القيام بأي دور بنّاء على المستوى الدولي، فآثر إقامة علاقات مع أسوأ المستبدين، وشاركهم قهر الشعوب واغتصاب الحريات وانتهاك الحقوق ونهب الثروات.

خلال أشهر معدودة، سيغيب الرئيس أوباما، وسيُغادر البيت الأبيض إلى الأبد، وستذهب معه كل موبقاته، ولن يبقى له سوى صورة سيئة وأليمة في ذاكرة السوريين، وسيأتي آخر، من الصعب التنبؤ بمدى سوئه، لكن، على الأقل سيستريح السوريون من واجهة أدمتهم وفطرت قلوبهم.

المشكلة الكأداء، أن الأسوأ لن يذهب، وسيبقى حملًا ثقيلًا على ظهور وقلوب السوريين، غصّة في حلوقهم، شريكًا في دمار مستقبلهم، فهو كالأسد، يعتقد أنه باق إلى الأبد، وبكل الأحوال، ما يواسي أن بقاءه لا يعني انتصاره، تمامًا كما النظام السوري، لأن ثورة انتفضت ضد الذل والقمع والتضييق على الحريات، وتفشي الفساد والطائفية، ستنتفض ضد “الاستعمار” الجديد، ولا ريب ستُنهيه، ولو بعد حين.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق