مقالات الرأي

الطفولة والاستبداد

لا يتوهمن أحد أن الأطفال بمنأى عن القهر الذي يتسلل إلى نفوسهم، هم في ظل الاستبداد يختزنون قهرًا أخطر من قهر الكبار، إذ يؤثر عميقًا في تكوينهم، يلتقطون إشاراته من الخوف الذي يهيمن على ذويهم، من أوامر الحذر التي تتوسط جملهم، من ملامحهم المتعبة والمتوجسة، من غيابات غير مفهومة لأقارب أو معارف، ومن السحن العابسة والمتوحشة في الطرقات، ومن خشية الناس من طرقات الفجر.

فإذا حدثت المواجهة، كانوا أول ضحاياها، قتلًا ويتمًا وتشردا وعذابًا، وفي خضم الأحداث الراهنة وما يرافقها من بلاء وكوارث، وما يصاحبها من سياسات دولية همجية، لا نستطيع أن نتبين أي ملمح للغد، ننشغل بأنفسنا وخيباتنا، عن نواظر أطفالنا، عن أرواحهم الغضة وهي تتحسس ضياعنا دون أن تفهمه، عن أسئلتهم الصامتة التي تتورم مع مضي الوقت، عن الآمال التي نسيناها، والأمنيات المخنوقة التي نغص بها.

فهم يتساءلون بينهم وبين أنفسهم عن صحبهم الذين غادر كل منهم إلى بلاده ليتمتع بالإجازة، بينما هم لا يستطيعون ذلك للسنة السادسة، وهم الذين اعتادوا أن يتخموا أصدقاءهم بذكريات الأهل والأصدقاء في الوطن، وعلى الرغم مما نقرأه في أعينهم، تهون معاناتهم أمام الأطفال المشردين في القفار والمخيمات، أمام الأطفال الذين ينتظرون تحت القصف والخراب الذي قد يحولهم إلى أشلاء في أي لحظة، أمام الأطفال الذين تكوموا جثثًا باردة على شواطئ بعيدة.

قلما كنا نتابع التلفاز، منذ ما يقارب السنوات الست، كان هناك تحول نوعي في علاقتنا به، فالأحداث المتلاحقة والمكثفة لـ “الربيع العربي”، قلما تركت لنا وقتًا للقراءة، أو لأي نشاط آخر مما نحرص عليه، في غمرة انشغالنا، اكتشفنا أننا مع حرصنا على إبعاد أطفالنا عن المشاهد الدموية والعنيفة، أنهم يعيشون هذه الأحداث، بتفاصيلها، وأنهم قد كبروا بغتة منذ بداية الثورات، وأضافوا لأعمارهم الغضة سنوات في أشهر، طفلي الذي كان ينطق كلماته الأولى، كان يصرخ كلما رأى السحنة الغرائبية للقذافي: زنقة زنقة دار دار، وهو يحرك يديه إلى الأعلى، وطفلي الآخر الذي كان يذهب إلى المدرسة لتوه، كان يردد على طريقة اليمنيين في ساحة التحرير: الشعب يريد إسقاط النظام، مستمتعا بلحنها. وطفلي الأكبر بدا يسأل أسئلة قلما تهم من هم في عمره، لم نتمكن مع كل حرصنا أن نجنبهم معايشة دراما الثورات التي تتفوق في تراجيديتها كل الملاحم والحكايات الشعبية والتاريخية، وخاصة في ظل أنظمة عربية مستعارة من عهود البرابرة والفايكنج والتتار والمغول والحروب المقدسة، بارعة في صناعة الخوف والموت، مع الأحداث السورية بتنا في خضم هذه الثورات، بتنا نسمع الهتافات الطموحة والتي تخفت وتعلو على وقع معمعة الرصاص وأزيزه بشكل مباشر، مما جعلنا نقرأ في أعينهم هواجس مستجدة. إلا أن الأمر لم يثنِهم عن ترديد: الله.. حرية.. سورية وبس!

سنوات ست تقريبًا، والمشاهد أقوى من أي صنعة درامية متقنة، وعلى الرغم من الألم العظيم ثمة أمل صعب يراودهم، يقول أحد أطفالي: إذا ذهب هؤلاء (يقصد الحكام) هل سنرتاح من الشرطة؟! أتأمل هذا السؤال البريء، الذي جعل الأطفال يشعرون بالأمان أكثر إذا غاب الشرطي، مع أن وظيفته هي الحفاظ على الآمان.

كنا ندرك أن ما نعانيه من ضغوط مختلفة في ظل أنظمة القمع يشاركنا فيه أطفالنا بصمت، فيولد في نفوسهم الرعب من السلطة قبل تعلم القراءة والكتابة.. لم نستطع أن نمنعهم أن يروا مشهدًا لطفل يعتلي كتف أحد المتظاهرين، ينادي بصيحات الحرية والمواجهة، ويرددها من خلفه الآلاف في حماسة، ورصاص القناصة لا يستثنيهم، نشاغلهم لنصرف نظرهم عن رجل يهرول، وهو يحمل جثة طفله الذي فقد قطعة من رأسه تسيل من خلالها بقايا دماغه… مشهد عجزت كل أحداث التاريخ وسرديات المؤرخين وإبداعات الأدباء والشعراء، وخيالات مخرجي أفلام الرعب عن الإتيان بمثيل له.

نسي أطفالنا أغانيهم الطفولية، وباتت قلوبهم تضبط وجيبها على إيقاع أغان مثل: (يا حيف..) و(ويا مصر هانت وبانت).. و(إذا الشعب يومًا أراد الحياة) و(معتصمين معتصمين)، لم يعد يهمهم مآل الأمور بين توم وجيري، وهم يلاحقون الأحداث بين أناس عزل يواجهون أعتى آلات القتل، تلعلع في يد قتلة محترفين في اصطياد الرؤوس الحالمة. لا يستثنون حتى الأعمار الفتية، وهم يقرؤون فجأة في أجهزتهم الإلكترونية أنباء طائرات الموت، تقصف المدن المزدحمة بالأطفال، وهم يسمعون شيئًا من أحاديثنا عن جماعات الموت التي تقتل وتقطع الرؤوس، وتصلب الناس باسم النظام أو باسم الدين.

أقرأ من خلالهم طفولتنا البائدة التي سحقت في معسكرات طلائع البعث، طفولتنا التي شوهت في ظل القائد الخالد الذي تسلل إلى كل كتبنا ودفاترنا، وحتى نتيجة آخر العام، في كل شارع وحي ومتجر وحتى على النقود التي نشتري بها الحلوى، وكأنما علينا ألا نغفل عن ذكره لحظة واحدة، نردد كل يوم عشرات الشعارات المتذللة له، والمخلدة لحضوره الأبدي وكأنه قدر لا يمكن الفرار منه، أتذكر أيام اليفاع يوم كان مدرب حصة التربية العسكرية يذلنا ويبطش بنا ليثبت أنه عسكري جلد، أتذكر نشيد عاش بعث العرب… ووجه المسؤول الحزبي، وهو ينظر إلي شزرًا؛ لأني لا أبادر إلى الانتساب إلى الحزب مع كل دعواته، وأتذكر صديقي المراهق الذي غاب طويلًا قبل أن يعود والكدمات في عينيه وجسده لم تشف بعد، كان مرحًا ثرثارًا، عاد في هيئة أخرى، لم نعد نسمع صوته أو نرى ابتسامته التي كانت تميزه. وإلى اليوم لا ندري لماذا غاب ولماذا تغير؟!

كنت أطرح على نفسي الأسئلة: لماذا نُنجب إذا لم يكن لدينا وطن يليق بأبنائنا؟ وأي فرد مشوه سيكون من حرم من طفولته السعيدة؟ وأي غد سيبنيه من عاشوا غضاضتهم في الخوف والدمار والدم والتشرد.

أطفالنا من حقهم أن يشعروا بالطمأنينة، ولا يمكن للطمأنينة أن تحضر في ظل القتلة، حتى الأوطان البديلة والتي لا تتوفر إلا للقلة القليلة عاجزة عن منحهم تلك الطمأنينة، لأن الطمأنينة ألفة ومحبة وأمل، وهي لا تجتمع إلا في وطن حر وكريم.

مواجهة الاستبداد والقتلة ليست مهمة ضرورية فحسب، إنما هي قضية وجود، قضية أن نكون أو لا نكون، مهما تعسرت وتعثرت وتكلفت، تبقى هي الموئل من الخراب. تلك هي الحقيقة التي تنضح من نواظر أطفالنا، من أسئلتهم الصامتة، والتي لا تقبل الحلول المجزئة أو المؤقتة، تلك هي الرسالة التي يجب ألا تغيب عنا مهما تراكم اليأس في نفوسنا. فلا حياة ولا أمل ولا غد في ظل الاستبداد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق