هموم ثقافية

حين يبدو (غوبلز) وعلًا صادقًا!

يعد اتحاد الصحافيين السوريين من عداد المؤسسات التي قد تكون لها هالتها الخارجية، الخادعة، لدى الأغيار، غير أنه- في حقيقته- يبز، أضعاف المرات، مؤسسة اتحاد الكتاب العرب من خلال تطفله على العمل النقابي، وابتعاده عن المهمات الافتراضية الموكلة إليه، ولاسيما على صعيد ممارسة الدور المنشود في الذود عن الصحافي.

طبيعي، أن اتحادًا للصحافيين يكتب أحد أبرز وجوهه قصائد في الرئيس السوري، الابن، كما الأب؛ فإنه لابد سيفتقد هيبته، وسلطته، ودوره؛ لأنه في الواقع لم يكن، ولايزال، أكثر من خط ديكوري في-لوحة- السلطة السياسية، والمختزلة -عادة- في شخص الرجل الأول الذي تُخصص وسائل الإعلام -على امتداد الأربع والعشرين ساعة- للتركيز على عطاءاته، وسجاياه، وبطولاته، التي طالما خدعت بعض متابعي هذا الإعلام، من خارج البلاد، عندما كانوا يلتقون السوريين، ليقولوا لهم: يا لسعادتهم بأن يقود بلدكم قائد كهذا.! مخدوعين بالسموم التي كانت وسائل الإعلام تبثها، ولاسيما في ذلك الزمن الذي لم يكن على طول البلاد وعرضها غير إعلام واحد، هو إعلام السلطة: مرئيًا، ومسموعًا، ومقروءًا، على حد سواء!

هذه المؤسسة المترهلة، التضليلية، لم تكن لها من مهمة -وفق هذه المقدمات- أكثر من خداع المواطن، وهو يكابد تحت نير أجهزة أمن السلطة أشكال الظلم، بعد أن تمت سرقة حريته، وصوته، ورغيفه، وبدا مطلوبًا منه أن يجسد قاعدة، متصرَّفًا بها هي: لا أسمع. لا أرى. لا أتكلم. بل ولا أمتعض، ولا أكشر، ولا أئن…إلخ؛ حيث إنه -وبخلاف المقولة الأصلية، لا يسمع أيضًا، لأن مجرد الإقرار بسماعه ما هو غير مرغوب فيه، وسكوته عنه، يؤدي به إلى نيل العقاب. وقد يكون ذلك سجنًا مؤبدًا!

ثمة هوة سحيقة، نشأت بين الإعلام والمواطن؛ هذه الهوة راحت تتسع -يومًا وراء يوم- إلى الدرجة التي صارت تغترب عمن توجه إليهم. الصحف الرسمية تتكدس، لولا جمهور الكلمات المتقاطعة، والرياضة، إضافة إلى من راحوا يشترونها لتنظيف زجاج البيوت بها، أو افتراشها على طاولات الطعام، لرميها، مع النفايات، وهو ما يطبق على الإذاعة، والتلفزيون؛ إذ إن المواطن السوري كان يواظب على أخذ مصادر أخباره -إن كانت لديه رغبة في معرفتها- من خلال وسائل الإعلام الغربي؛ لأنه عُرف بقلبه للوقائع، وتشويهها، وتزويرها!

ومن أبلغ ما قيل عن هذا الإعلام، وعلى لسان الشاعر الراحل، ممدوح عدوان، الذي أشار إلى إنه لا يُصدق حتى في نشرته الجوية، وروى في مقال له، أثير وجريء، أن طالبًا قرويًا، لجأ إلى قريبه -ذي السطوة- في العاصمة دمشق، وراح يطلب منه تأمين وظيفة ما؛ كي يحصل من خلالها على راتب ثابت، يعينه على إنهاء دراسته الجامعية، فعرض عليه قريبه وظيفتين: إحداهما في “شركة الخضار والفواكه”، والثانية في الإعلام؛ ففضل هذا الفتى المدلل الخيار الأخير على الأول، ليكون أنموذجًا لكثيرين من الإعلاميين ذوي الحظوة في تلك المرحلة السوداء!

الإعلامي المبدئي، ما إن يتخذ موقفًا، عبر وسيلته الإعلامية، في مواجهة آلة الفساد والاضطهاد، حتى يعيش حالة توتر؛ لأنه يغدو هدفًا لزبانية النظام، ولا أحد يرافع عنه إذا وقع في شباك الأجهزة الأمنية. أتذكر أن سائق إحدى المؤسسات التي كتبت عن فساد رأسها، ذي الحظوة، قائلًا: اتركوه لي، وحذرني مقربون إليَّ منه، ولا سيما أنه كانت له حصته من هذه المؤسسة التي تصرف للصحافيين هبات موسمية، على نحو رسمي؛ أجل. إن الإعلامي الملتزم بهموم من حوله، كان يحمل كفنه، وصليبه معًا؛ بسبب موقفه المبدئي.

 

وإذا كانت هذه هي صورة إعلام السبعينيات، والثمانينيات، والتسعينيات، والعقد الأول من الألفية الثالثة، فإنه لمن الطبيعي أن يتحول هذا الاتحاد -وهو حاضنة الإعلام المفترضة- إلى إحدى وسائل تزوير الواقع، من خلال المشاركة الميدانية مع القاتل ضد الضحية؛ بل ظهر بعض الإعلاميين والإعلاميات، وهم يرتدون اللباس العسكري، رافعين السلاح الأتوماتيكي، معلنين بذلك انتماءهم إلى صناع الجريمة المفتوحة، وقد استطاعت فضائية (الدنيا) أن تكون الأنموذج الفاضح، والصورة الأكثر بشاعة لهذا الإعلام، بعد أن افتُضح أمرها، وصارت مضرب مثل لدى السوريين، والمنصفين، من متابعي المشهد السوري، منذ بدايات ثورة الكرامة لأبناء سورية التي تم التكالب عليها؛ كي تُخترق، من القوى الراديكالية، وتقارب الصورة التي رسمها النظام للثورة، وأهلها الذين أطلقوها، سلمية، تمثل ضمير هذا المكان وأهله!

 

إن السقوط المريع، لاتحاد الصحافيين، وفي أسوأ أشكاله، تم مع بدء الثورة السورية، كما هو حال اتحاد الكتاب السوريين، حينما لم تكتف هذه المؤسسة بأن تكون حاضنة لإعلاميين، على رأس عملهم، مهمتهم تزوير الحقائق، من دون أن تبدي ولو مجرد إدانة للقاتل الرسمي، ولو على نحو عرضي؛ بل إنها تعامت عن اغتيال الإعلاميين الذين استهدفهم قناصو السلطة، وزُج بكثيرين ممن نقلوا المعلومة للإعلام -بحيادية- في غياهب السجون، ولدينا عشرات الأسماء من مراسلي وكالات الأنباء، والمواطنين الصحافيين الذين كانوا أهدافًا حية للقتل.

لقد كان حريًا بهذه المؤسسة أن تحل نفسها، لئلا تكون شاهدة زور على انتهاكات النظام بحق الإعلاميين، ومنهم بعض زملائها، ولا سيما أن الانتهاكات لم تعد عقوبة وظيفية، أو طردًا من العمل، إنما إلغاء لحياة حملة الأقلام، التي تمت حمايتهم دوليًا في الحروب، بموجب اتفاقات، وعهود، ومواثيق رسمية، بوصفهم ناقلي أحداث ووقائع، لا مشاركين في صنعها!

إن متابعة ما يتبناه الإعلام السوري -منذ بداية الثورة السورية وحتى الآن- تؤكد أنه افتقد الدعامات الرئيسة التي يعتمدها الإعلام، وهي: الحيادية والمهنية والجرأة، وذلك؛ لأنه بات يتخندق مع القناص، فضلًا عما يكتبه. إن إعلامًا ثم تشكيله في ثكنة عسكرية، وفي هذا ما يسقط هيبة الإعلام والإعلامي في آن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق