أدب وفنون

“سوريا من الداخل” شهادات معمدة بالدم لكاتبات وكتّاب عايشوا المأساة

دعت “دار الجديد” اللبنانية ومؤسسة “فريدريش إيبرت” الألمانية، الأوساط الأدبية والثقافية وجمهور القراء في بيروت، لمشاركتهما الاحتفال بصدور كتاب “سوريا من الداخل مشاهد وشهادات”، وذلك يوم الجمعة الموافق 30 أيلول/ سبتمبر الحالي في (محترف الزاوية) بالحمرا.

الكتاب الصادر أخيرًا باللغة العربية عن “دار الجديد”، بدعم من المؤسسة الألمانية، والذي أشرفت عليه وحرّرته “لاريسا بندر”، وهي صحافية ومترجمة ألمانية مهتمة بالشأن السوري، احتوى بين دفتيه شهادات لعدد من الكاتبات والكتّاب السوريين، كُتبت بين خريف 2013 ومطلع العام 2014، وقد تولت “بندر” ترجمة معظم هذه النصوص إلى الألمانية، حيث صدرت في كتاب عنوانه “رؤى من داخل سوريا”، عن دار “إيديتسيون فاوست” في برلين.

 

يوميات شاميّة ..

تتساءل الصحافية والمترجمة الألمانية في مقدمة الطبعة العربية: “ماذا يعني لكاتب يشعر بأن الكتابة لم يعد لها معنى، أن يكتب عما يجري في بلاده؟ ما المشاعر التي يمكن أن تستولي على مثقف يساهم في هذا التغيير التاريخي في وطنه، ويكون شاهدًا عليه خلال ثلاث سنوات عاشها متخفيًا وملاحَقًا، ثمّ ليجد نفسه في نهاية المطاف مجبرًا على مغادرته؟ ماذا نتوقع من شخص فقد كل أفراد عائلته بقنبلة محتهم من الوجود؟”، مبينة أن معظم المساهمات تصف من جهة، وحشية القمع وآلياته التي قام عليها نظام البعث وآل الأسد، وتعكس، في الآن نفسه، ذهول أصحاب هذه النصوص؛ لقيام جيش دولة نظامي في القرن الحادي والعشرين -بمساعدة ميليشيات داخلية وخارجية من لبنان والعراق وإيران- بقتل شعبه وتهجيره على مرأى من المجتمع الدولي ومسمعه، من دون أن يبدي هذا المجتمع الدولي أي حراك، أو يضع حدًا لهذه الفجيعة المستديمة”.

وتؤكد “بندر” في مقدمتها أنّ “سوريا تشهد اليوم حربًا بالوكالة، على جبهات وحدود جديدة تمتد على طول البلاد وعرضها”، وأنّه بسبب هذه الحرب بالوكالة، “انتُزع منهم حق تقرير مستقبلهم بأيديهم وجرى تحريف ما قاموا من أجله”.

يسبق هذه المُقدمة نص للروائي خالد خليفة، موسوم بـ “كل نظرة هي نظرة وداع”، وفيه يُسجّل صاحب “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة”، و”الموت عمل شاق”. يومياته “الشاميّة” بعدما “رحل الجميع”، وفي وقت يحاول فيه من بقي في الداخل، القبض على “لحظات الفكاهة”.

وتراوح نصوص الكتاب المخطوطة بيراع الألم، المعمدة بالدم، والموجهة بالدرجة الأولى إلى القارئ الغربي عامة والألماني على وجه الخصوص، بين النص السردي الحكائي، والواقعي، الوثائقي، والنص الأدبي، والنص التأملي، والسياسي والفكري والعقلي والثقافي والإنساني.

 

%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d9%82%d8%af-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%a7%d8%a6%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d9%87%d9%8a%d8%ab%d9%85-%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86

 

حسين: نساهم بدورنا في الثورة المستمرّة

صحيفة “جيرون” تسأل الناقد والروائي السوري، هيثم حسين، وهو أحد المشاركين في الكتاب، عن أهمية اطلاع القارئ الغربي، والألماني خاصة، على تفاصيل المأساة السورية، من وجهة نظر أدبية، عبر شهادات يكتبها أدباء عاشوا بعضًا من فصول هذه المقتلة؟ فيقول: “تكون هناك حاجة دائمة ومتجدّدة للأدب والفنّ؛ لنقل رسائل ووقائع وتجارب عاشها أصحابها وكانوا شهودًا عليها، ليساهموا بدورهم في الثورة المستمرّة، ولا سيّما أنّهم كتبوا من قلب الحدث وكانوا يقبضون على جمر الثورة بيد والقلم بيد أخرى، وربّما تكمن الصعوبة في خلق مسافة تمنح الكتابة فسحة من التأمّل والتدبّر”.  يضيف صاحب “إبرة الرعب”: “القرّاء في الغرب كثيرون، على عكس العالم العربيّ، ويرغبون في القراءة عن عالمنا بعيدًا عن أخبار الدماء والدمار، ولأنّ في ألمانيا -تحديدًا الآن- مئات آلاف اللاجئين السوريّين، أعتقد أنّ شهادات الأدباء عن واقعهم في سورية يمكن أن تساهم في تسليط الضوء على زوايا بعينها، وإطلاع القارئ الألمانيّ على تفاصيل إنسانيّة من شأنها أن تلعب دورًا، مهما كان صغيرًا، في الدفع إلى مزيد من التعاطف، وإذا كنّا متفائلين، سنقول: إنّها يمكن أن تساهم بتشكيل نواة رأي ضاغط على الأنظمة؛ لتؤدّي دورًا أكبر في التخفيف من معاناة السوريّين في الداخل، أولئك الذين تكون شهاداتهم ومشاهداتهم أهمّ وأكثر تأثيرًا من شهادات الأدباء أنفسهم”.  ويؤكد صاحب “رهائن الخطيئة” أن “الكلمة والأدب والفنّ من ميادين الأدباء وساحات نضالهم، ولابدّ أن يحافظوا على إيمانهم بدور الكلمة في عالم الحرب ويتشبّثوا به كوسيلة إنقاذ عظمى، لأنّهم إن فقدوا إيمانهم بهذا الدور؛ فعليهم أن يحطّموا أقلامهم وينتحروا بالجهل والعتمة، ويمضوا في رحلتهم معصّبي الأعين، إلى حيث يُختار لهم، لا إلى حيث يريدون ويرسمون لأنفسهم وأدبهم”.

 

عن الموت والخيبات ودروب المنفى

يضم العمل إلى جانب شهادة الكاتب هيثم حسين، شهادات لكل من الكتّاب والكاتبات: فوّاز حداد (أما القتيل فيستحق الموت)، وديمة ونوّس (عن البيوت التي وراءنا وسوريا التي أمامنا)، ومنذر المصري (دع شعبي يحيا)، وروزا ياسين حسن (عن القنّاصة وطعم الثأر والخيبات)، ومحمد المطرود (في اكتشاف الحنين وسواه)، وياسين الحاج صالح (دروب المنفى)، وسمر يزبك (بورتريهات السجن)، وخضر الآغا (السوريون يستعيدون ألسنتهم)، ودارا نوّاف عبد الله (أفكار مبعثرة)، ونهاد سيريس (بلد الموسيقى والحرب)، ورياض الوحش (هوية مكسورة)، وعمر قدّور (العيش بمحض المصادفة)، وخليل صويلح (حميميات عابرة).

ويدوّن عامر مطر شهادته من مدينة الرقة أيّام كان مقيمًا فيها، قبل انتقاله للعيش في ألمانيا؛ فيكتب عن “جثة الكاميرا وُجِدَت.. ماذا عن جثة أخي!”. كما نقرأ شهادة بعنوان (من يوميات المربع الأمني) لسلمى سالم، وهو اسم مُستعار لكاتبة سورية تقيم في الداخل، وفق ما جاء في قائمة التعريف بأسماء أصحاب الشهادات التي حواها الكتاب.

“مَن يدافع عن القاتل، لا يقلّ إجرامًا عن القاتل نفسه”، “لا أذكر من طفولتي سوى الخوف، ولا أذكر من أيام المدرسة سوى الخوف. الخوف عندما يتراكم طبقةً فوق أخرى، يضيع المنطق. نتحول إلى كائنات مليئة بالوساوس”. هذا بعض مما كتبته ديمة ونوّس في شهادتها.

فيما نقرأ للشاعر منذر مصري: “نعم كنا نحيا تحت رحمتهم، تحت أحذيتهم. كنا نحيا جبناء، نعلّم أبناءنا كيف يحيون جبناء مثلنا. كنا نحيا في الخوف والريبة والخداع فاقدين كل كرامة واعتداد وعزة نفس”. ليصرخ: “سمّهم ما شئت، قتلى، موتى، شهداء، جميعهم سوريون… سوريا كحيّز مكاني مسكون تفرغ من الناس. يمثل السوريون واحدة من أكبر ظواهر النزوح في التاريخ الحديث. فماذا بعد؟ فماذا أكثر؟ يا عالم، يا بشرية… يا الله: “دع شعبي يحيا”.

 

%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%86-%d8%b9%d9%86-%d8%ad%d9%81%d9%84-%d8%a7%d8%b4%d9%87%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a8-30-%d8%a3%d9%8a%d9%84%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق