سورية الآن

أطفال سورية.. ندوب الروح والجسد

في مساء أحد الأيام من شهر يونيو الماضي، وجدت نفسي على سطح مستشفى تعرض للقصف في حلب. وقد كان الظلام دامسًا لأن الجانب الشرقي من المدينة كان من غير تيار كهربائي. وشاهدت أنا وزملائي الطائرات وهي تعبر فوقنا وتلقي بالقنابل على أطراف المنطقة المحاصرة. وكان في مقدورنا سماع لحظة انفجار الصواريخ في ظلام الليل. إنني طبيب أطفال من شيكاغو، وفي الصيف الحالي سافرت مع زميلين من الجمعية الطبية السورية الأميركية إلى حلب. وهناك رأيت مباشرة كيف تشوه وتدمر الحرب الأطفال معنويًا وجسديًا. والأطفال الذين قابلتهم عانوا في الغالب صدمات مهلكة. وبعضهم توقف عن تناول الطعام، وآخرون كانوا لا يستطيعون الكلام تقريبًا.

وتجربتي هذه لها ما يقابلها في أنحاء البلاد. فقد ذكر تقرير لشبكة تلفزيون «سي. إن. إن» اندفاعًا ملحوظًا من الأطفال للإقبال على محاولات الانتحار. وقد صرح معلم في بلدة مضايا السورية في غرب البلاد لمنظمة «أنقذوا الأطفال» قائلًا: «الأطفال محطمون نفسيًا ومنهكون. حين نقوم بأنشطة مثل الغناء معهم لا يستجيبون بالمرة. ولا يضحكون كما كانوا يفعلون عادة… إنهم يرسمون صورًا لأطفال يذبحون في الحرب أو دبابات أو حصار أو افتقار للطعام». وكذلك ذكر تقرير لمفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أن «أكبر المشكلات الإكلينيكية وأكثرها شيوعًا وسط السوريين هي الاضطراب العاطفي مثل الاكتئاب واضطراب الحزن طويل الأمد واضطراب الكرب التالي للصدمات وصيغ مختلفة من اضطرابات القلق». وأكدت منظمة «أنقذوا الأطفال» أن «التداعيات على الصحة العقلية في المستقبل لجيل كامل قد تكون كارثية».

وقد أمضيت بعض الوقت في سورية في مستشفى تحت الأرض يعرف باسم «إم. 10» مدعوم من الجمعية الطبية السورية الأميركية، وهو المنشأة الرئيسة لعلاج ما بعد الصدمات في شرق حلب. وحين وصلنا إلى المستشفى بدل جراح العظام ملابسه وارتدى زي الجراحة وذهب إلى العمل في غرفة الطوارئ. وتوجهت أنا إلى وحدة العناية المركزة، حيث كان هناك صبيان يعالجان من إصابات في الرأس والصدر. فقد تعرضا للإصابة من انفجار قنبلة برميلية، بينما كانا يلعبان في الخارج. ولقي أحد الصبيين وكان يبلغ من العمر عشر سنوات حتفة بعد ثلاثة أيام. ثم انتقلت إلى مستشفى آخر، حيث كان هناك جناح وعيادة لطب الأطفال. وكل يوم كان الأطفال المصابون يأتون مع أسرهم أو في سيارة الإسعاف. وكانوا يعانون إصابات بدنية يمكن أن يتوقعها المرء في منطقة حرب مثل إصابات في الرأس وبتر للأعضاء ومجموعة من الجروح والرضوض.

وكان كثيرون منهم يعانون صدمة العيش في منطقة حرب. وأتذكر الآن طفلة تبلغ من العمر ثمانية أعوام جاء بها أبواها لأنها ترفض تناول الطعام وبدأت تتبول ليلًا في فراشها. وكانت الطفلة تدخل حالة من الهستيريا حين يترك والداها الغرفة. وحين تحدثت إليها عبر مترجمة لم تكن تقوم بأي اتصال بالعين معي، بل كانت تنظر بلا هدف بعيدًا، وهو ما يطلق عليه علماء النفس «حملقة الألف ياردة». ورأيت أسرة أخرى مع ثلاثة أطفال أعمارهم ثلاث وخمس وسبع سنوات. فقد مزقت قنبلة برميلية شقتهم السكنية ويعيشون الآن مع أقاربهم. والطفلان الكبيران كانا يخافان من النوم في الداخل ليلًا، ولذا كان الأبوان يقيمان خيمة في الشارع وينامان معهما كل ليلة. ولم يتمكن أحد من إقناعهما بأن النوم في الداخل أكثر أمنًا.

وهذا لا يثير الدهشة لأن الأطفال بحاجة إلى الأمان والطمأنينة والأمن. ولكن الحرب الأهلية في سورية جعلت هذا مستحيلًا، خاصة في مناطق مثل شرق حلب التي تعرض فيها 300 ألف شخص، 40 في المئة منهم أطفال، للحصار المرير. واستخدمت القنابل التقليدية إلى جانب الأسلحة الكيماوية مثل غاز الكلور. ومنع المواطنون المحاصرون من الحصول على أبسط المساعدات الإنسانية الأساسية. وقتل عشرات الأطفال وعدد أكبر من البالغين وتعرضوا للغازات القاتلة. وهذه البيئة أدت إلى توطن القلق والاكتئاب وسط الأطفال السوريين. وهذه التحديات الصحية والذهنية من الممكن أن تكون لها عواقب طويلة الأمد على قدرة الأطفال على التعلم وتشكيل علاقات طبيعية ذات معنى. وبمجرد أن تنتهي هذه الحرب، يتعين علينا أن نجري تقييمًا للصحة العقلية ومعالجة هؤلاء الأطفال. والعلاج الجسدي سيكون هو الجانب الأسهل ولكن العلاج النفسي والروحي سيكون أصعب بكثير. وقد توصلت الولايات المتحدة وروسيا إلى خطة لتقليص العنف في سورية. ومع الأخذ في الاعتبار فشل كل الاتفاقات الأخرى السابقة، فإن الناس في حلب ينتظرون بلهفة وأمل رؤية بصيص ضوء وسط نفق هذه الأزمة التي تحولت إلى محنة إنسانية غير مسبوقة.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق