تحقيقات وتقارير سياسية

التقسيمات العسكرية – الإدارية في القلمون شلّت حراكه الشعبي

تُعدّ منطقة القلمون في ريف دمشق، واحدة من أهم المناطق التي يعتمد عليها النظام لتأمين محيط العاصمة دمشق، وتمر عبرها أهم طرق مواصلاته البرية التي تصل العاصمة بالشمال السوري ومنطقة الساحل، فضلًا عن أهميتها كمنطقة محاذية للشريط الحدودي الذي يفصل بين سورية ولبنان.

قبل عام 2011، كان يعيش فيها ما يزيد عن مليون شخص، موزعين على طرفي المنطقة، القلمون الغربي، الذي يضم مدنًا كبرى مثل (النبك، يبرود، دير عطية، قارة وغيرها..)، والقلمون الشرقي الذي يضم (القطيفة، الرحيبة، جيرود ومعضمية القلمون). وكان يعتمد قسم كبير من سكانه على التجارة، وممارسة بعض الحرف الزراعية والصناعية التقليدية، التي تعدّ أهم الأعمال الاقتصادية في هذه المنطقة.

قبل ذلك، ومنذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، بدأ حافظ الأسد بتنفيذ مخطط عسكري للمنطقة، حكم حاضرها وحدد مستقبلها، حيث زرع عشرات القطع العسكرية في عموم المنطقة، وفي مناطق استراتيجية فيها، واستهلك المنطقة جغرافيًا وبشريًا من خلال تعمّد فصل مدنها الرئيسة عن بعضها بعضًا، وتقييدها بالحدود الإدارية العسكرية لقطعاته.

شهدت منطقة القلمون نتيجة هذه التأثيرات العديد من التغيرات الجوهرية، خاصة في تركيبتها السكانية، كما أرهقت التقسيمات الإدارية غير المدروسة أهالي القلمون، من حيث سوء توزيع الضرائب، وعدم تسهيل رخص البناء العقارية والتجارية، وفتح منافذ يستخدمها بطانة النظام للتهريب بكل أنواعه.

هدفَ النظام من وراء هذا التقسيم القيام بخطوات استباقية لمواجهة أي تحرك بشري محتمل قد يفكر به أهالي المنطقة ضد النظام وممارساته، خاصة بعد أن كنت المرحلة التي سبقت وصول الأسد إلى السلطة حافلة بالحركات الانقلابية العسكرية، والتي عمل الأسد -منذ استيلائه على السلطة- على بناء استراتيجية تمنع حدوث انقلابات لاحقة عليه، وبما أن عددًا كبيرًا من أهالي القلمون هم من المشاركين في معارك التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، وكثير منهم من الوطنيين الرافضين بالمطلق للطائفية، كان لابد للنظام من وضعهم في حساباته، وتقييدهم في أماكن إقامتهم، وإبعاد خطرهم عن العاصمة دمشق.

نُثرت القطع العسكرية نثرًا، ولم تبق قرية أو بلدة قلمونية إلا وبالقرب منها ثكنة أو قطعة عسكرية، أو معسكرًا للتدريب أو مستودعات أسلحة، وباتت أغلب المنافذ الرئيسة التي تصل بين المدن والبلدات والقرى القلمونية، تخضع لسيطرة قوات النظام العسكرية والأمنية؛ ما جعل أهلها مراقبين.

من جهته، قال المزارع أبو أحمد، الذي رفض ذكر اسمه، لـ (جيرون): “في البداية اقتنع الأهالي -البسيط معظمهم- بهذه المشروعات العسكرية، على الرغم من مصادرة كثير من الأراضي الزراعية، ظنًا منهم أنها أقيمت لتأمين الحماية لهم من اعتداءات قد يشنها العدو الإسرائيلي!”، وأشار، في الوقت نفسه، إلى أن “وجود هذه الثكنات بين مدن وبلدات المنطقة، شكّل -مع مرور الوقت- عائقًا كبيرًا أمام حركة أهلها، وظهرت -بعد الثورة- فاعلية هذه الطريقة من العزل، كإحدى أهم الأدوات القمعية التي اتبعها النظام في تعامله مع أبناء المنطقة، ومنعهم من القيام بأي حراك، أو تأييد أي بلدة أو مدينة سورية منكوبة”.

في بدايات الثورة، لعب هذا التقسيم دورًا سلبيًا في حياة الأهالي، إذ سارعت تلك القطع العسكرية إلى مهاجمة المتظاهرين، والقيام بعمليات دهم واعتقالات عشوائية، طالت العديد من أبناء المنطقة، وتكفّلت مدفعيتها ودباباتها بوضع حد لمطالب الأهالي واحتجاجاتهم، حيث قصفت المدن والبلدات القلمونية التي ظهرت فيها بوادر ثورة.

أبرز القوى العسكرية الحالية التي أوجدها النظام السوري في منطقة القلمون، هي الفرقة الثالثة، ومقرها مدينة القطيفة، وتتألف من أربعة ألوية، وفوجين، منها اللواءان: 81 و20 دبابات، وتنحصر وظيفة الفرقة الثالثة في حماية البوابة الشمالية للعاصمة دمشق، وفيها اللواء 155 المسؤول عن إطلاق صواريخ السكود باتجاه الشمال السوري، إضافة إلى مطاري الضمير والسين الحربيين.

 

كل هذا التقطيع والضغط وتمزيق المنطقة، لم يُغيّر من طباع أهالي المنطقة، ولم يُنهي أحلامهم بالحرية، ولم يجعلهم يتخلون عن مطلب الكرامة، وإن كان قد انخفض صوتهم في المرحلة الحالية، فإن تحت المجامر نارها، نار ترفض الذل والعصا، وترفض العيش إلا في بلد حر وكريم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق