اقتصاد

السوريون أنفقوا مليوني ليتر من الدم في خمس سنوات

في الاقتصاد، الإنفاق (الاستهلاك)، والادخار، محركان أساسيان لنمو الاقتصاد. وما يصح على إنفاق الفرد، وادخاره، يصح على الاقتصاد القومي، لكن ليس بالميكانيكية التي تجمع إنفاق الأفراد، وادخاراتهم؛ لينتج الإنفاق القومي، أو الادخار القومي.

الإنتاج والتبادل كذلك، لهما أهمية قصوى في الاقتصاد، في الرباعي الذي ينتج عن مجموعه الناتج المحلي الإجمالي.

لكن الدم ليس سلعة في السوق، كما أن الحرية ليست معروضة للبيع في أي مكان؛ يمكن لهما أن يكونا سلعة، لو تحقق حلم الديمقراطيات الغربية في تكريس “الحق في السعادة” لمواطنيها في الدساتير والقوانين.

وعلى فرض أن الحرية والدم سلعتان، فكم من المنافع نتج، أو سينتج، من إنفاق السوريين مليوني ليتر من الدم (حجم الدم 5 ليتر لدى الإنسان البالغ)، وهل تستحق الحرية، والكرامة، مثل هذا الثمن الباهظ؛ وعليه ما حجم المنفعة المتخيلة لو ادخر السوريون دماءهم، أو ما احتمال أن تكون كل تلك التضحيات بالدم ضامنة للأجيال المقبلة؛ كي لا تعيش عصر دكتاتورية آخر.

خمس سنوات ذهبت فيها أرواح حوالي 400 ألف سوري مجانًا، بحسب ميزان القوى الحالي الذي لم يحسم معركة الحرية بعد؛ صحيح أن الأعمار بيد الله، لكن ما يحدث في سورية ليس غضبًا إلهيًا على “فسق السوريين”، وليس عقابًا لهم وتحذيرًا؛ كي يرتدعوا، فزلزل الأرض من تحتهم، أو فجَّر في أرضهم بركانًا، كظاهرة طبيعية، بل مقتلة يتعرض لها السوريون بين السياسة والسياسة، وبينهما الاقتصاد كمكثَّف شديد اللزوجة للسياسة.

بالإمكان تخيل ما يمكن أن ينجزه أي من قتلى المذبحة لو عاش عشرين سنة أخرى، وظل دمه يجري في شرايينه ولم تهدره آلات القتل، أو تخيل ما يمكن أن ينجزه 400 ألف قتيل في 20 سنة.

هؤلاء كانوا سيعيشون ثمانية ملايين سنة. مع العلم أن أعمار الدول والإمبراطوريات تصل وسطيًا إلى 500 سنة، بحسب مقاييس العصور القديمة والوسيطة، وأميركا نفسها -منذ وصول أول الحجاج إليها- يزيد عمرها قليلًا على 500 سنة.

الـ 400 ألف إنسان هو عدد تقديري لشهداء الثورة السورية على يدي النظام، خلال خمس سنوات. أما الـ 20 سنة، فهو ما قالت الأمم المتحدة إن الإنسان السوري خسره من متوسط العمر في سورية.

ووفقًا لمسؤولة العمليات الإنسانية في الأمم المتحدة، فاليري آموس، في 26 آذار/ مارس 2015، تراجع متوسط العمر في سورية 20 عامًا منذ بدء النزاع المسلح الذي تلا الثورة السورية في آذار/ مارس 2011؛ بسبب العنف المفرط من النظام، وسياسة الأرض المحروقة. كما قالت آموس: إن ثلثي السوريين يعيشون في فقر مدقع، ما جعل عدد الأطفال المحرومين من التعليم يصل إلى أكثر من مليوني طفل.

يهمنا -هنا- تقدير الحيوات المفقودة، والفرص الضائعة نتيجة لذلك، وعدد السنوات التي خسرتها سورية بشكل مؤكد، بافتراض صحة كلام آموس التي حذفت عشرين سنة من متوسط عمر الفرد السوري.

يذكر مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية أن عدد الشهداء الموثقين في سورية منذ 2011 حتى نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2015 وصل إلى 151 ألفًا و685 شهيدًا، بينهم 3600 فلسطيني، و16970 من الشهداء الأطفال، و16155 من الشهيدات النساء، و12010 شهداء تحت التعذيب، أي أن نسبة الشهداء الأطفال 11.19 بالمئة، ونسبة الشهيدات النساء 10.65 بالمئة، ونسبة الشهداء تحت التعذيب 7.92 بالمئة.

وصل عدد الشهداء التقديري إلى 280 ألفًا (82 بالمئة منهم من المدنيين)، وعدد الجرحى التقريبي أكثر من 262270.

أما عن المعتقلين فقد تجاوز عددهم 282195 (جزء منهم خرج من المعتقل)، بينما توقعت مصادر المركز أن عدد المفقودين التقريبي فاق 109535 مفقودًا.

حتى أعداد اللاجئين والنازحين تفاوتت في شأنهم التقديرات، في ظل عدم وجود إحصاءات موثقة، لكن المركز يشير إلى لجوء ما يزيد على 4 ملايين و450 ألفًا و940 لاجئًا. بينما وصل عدد النازحين داخل سورية إلى ما يزيد على 9.1 مليون.

ويمكن على ذلك أن يكون مجموع عدد ضحايا العنف 14 مليونًا و356 ألفًا و625 ضحية (شهداء، جرحى، معتقلين، مفقودين، لاجئين، نازحين). أي أن نسبة أفراد العائلات المتأثرة بالصراع قد تصل إلى 70 بالمئة من تعداد الشعب السوري، أي 19 مليونًا و719 ألفًا، و680 فردًا (عائلات الشهداء، عائلات الجرحى، عائلات المعتقلين، عائلات المفقودين، اللاجئين، النازحين).

كما بلغ عدد العائلات التي أصبحت بدون معيل، وفق المركز، حوالي 144 ألف عائلة (حوالى مليون فرد).

بالطبع هذه الأرقام لا تلحظ عدد ضحايا جيش النظام، فضلًا عن ضحايا الميليشيات السورية، والإيرانية، واللبنانية، والعراقية، وغيرها من الميليشيات المساندة له.

وإذا اعتمدنا الرقم التقديري لعدد ضحايا الثورة السورية، كرقم لا يشمل ضحايا المؤيدين للنظام السوري، مع اعتماد مصادر مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية، فإن 280 ألف سوري فقدوا حياتهم (موثقين بكامل المعلومات)، وفي عمر قد يقل كثيرًا، على العموم، عن رقم آموس.

هنا نشير إلى أن أرقام آموس (الأمم المتحدة) أشارت إلى إن النزاع أسفر فقط عن أكثر من 220 ألف قتيل (من الموالاة والمعارضة)، وإن أكثر من 12.2 مليون شخص يحتاجون اليوم إلى مساعدة إنسانية عاجلة، منهم 7.6 مليون نزحوا عن مدنهم وبيوتهم داخل البلاد، وحوالي أربعة ملايين لجأوا إلى لبنان والأردن وتركيا.

يعني تراجع متوسط عمر السوري، إن صحت الحسابات، والحالة صحيحة في العموم، أن متوسط عمر السوري أصبح 50.61 سنة، قياسًا إلى إحصاءات الأمم المتحدة، حيث جاءت سورية في المرتبة 100 في قائمة 2009 من بين 191 دولة ضمتها قائمة تلك السنة، وبعمر متوقع عند 70.61 سنة.

بينما بلغ متوسط العمر في سورية وفق قائمة توقعتها الأمم المتحدة للفترة (2010 – 2015) 74.1 عامًا، في المرتبة 69 من بين 195 دولة ضمتها القائمة، وتقدمتها اليابان بعمر متوقع عند 82.6 أعوام، حين كان المتوسط العالمي للعمر المتوقع 76.2 سنة.

كان ذلك التقدم افتراضيًّا، تقدمت فيه سورية 31 مركزًا على مستوى الدول المشمولة في القائمة، إذ لم يكن كاتبو القائمة يتوقعون أن يقتل بعد عام 2011 بالرصاص والبراميل أطفال وطفلات في المهد، أو في المراحل الدراسية الابتدائية والإعدادية، ولا نساء في عمر الإنجاب، أو أن يصبح مرض بسيط العلاج قاتلًا بسبب ندرة الدواء والأطباء.

عدم الثقة في هذه الأرقام قائم، نتيجة تفاوتها الكبير بين المصادر المختلفة، حتى أن هنالك تقديرات تدعي أن مليون سوري قُتلوا في الحرب والمعتقلات، من كل الأطراف المتحاربة.

وعند الكلام عن انخفاض العمر المتوقع للسوري، يبرز السؤال في إطاره الإنساني والأخلاقي، قبل الاقتصادي.

الجانب الاقتصادي نفسه لا يقتصر على أرقام عما كان يمكن أن يكسبه الفرد، أو يخسره، وكم يضيف عمل هذا الشخص من دخل لاقتصاد سورية، وكم كانت ستتكلف الدولة السورية لإعالة وتطبيب وتدريس حوالي 17 ألف طفل قتلتهم نيران النظام بالدرجة الأولى.

حجم الدم في سورية تهون معه كلمة “كارثة”. أما الكارثة الأخرى المكافئة فهي خسارة خمس سنوات دراسية متوالية، كليًا أو جزئيًا، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة هنالك 4.8 مليون طفل وشاب لم يرتادوا مدرسة بشكل منتظم؛ ما يعني خسارة 24 مليون سنة دراسية، وفقًا لتقرير نشره مركز “فرونتيير إيكونوميكس” الأسترالي للاستشارات، في آذار/ مارس الماضي، بالتعاون مع مؤسسة “وورلد فيجن” الخيرية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق