تحقيقات وتقارير سياسية

روسيا – الولايات المتحدة: اتفاق جديد، ولا جديد

“ليس من مصلحة نظام الأسد أن تنهار الاتفاقية الحالية للهدنة، لأن ذلك يعني في نظره نهاية سورية الموحدة”. بهذا التصريح استهل وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، اتفاق التعاون بين بلاده وروسيا فلاديمير بوتين. التصريح لا يحتمل الصِّحة قطعًا، ليس لناحية احتمال حسن النيات تجاه الموقف الأميركي المحجم عن أي عمل من شانه أن يوقف المقتلة، ولا لناحية عدم مصلحة الأسد في انهيار الهدنة “تبعًا لبنية نظام لا يعيش إلا على سحق أي اعتراض عليه”، بل في ذلك الربط الأميركي بين استمرار الهدنة وبقاء سورية “موحدة”.

ذاك أن عودة “سورية الموحدة”، أي: إلى ما كانت عليه الحال قبل التفتت الذي لحق بالبشر والحجر، لا يَحتمل، في ظل بقاء النظام، إلا إعادة سيطرة آل الأسد و”بشّارهم” على مقاليد الحكم من جديد، وبالآليات ذاتها التي حكموا بها البلاد لخمسين عامًا. وبعيدًا عن استحالة تلك العودة إلى حظيرة الحكم العائلي السابق، فإن النظام ما وني يردد الحلم إياه، تدغدغ أحلامه أوهام عودة سورية إلى ما كانت عليه قبل الثورة، عبر بيانات القوات المسلحة التي تُبث أسفل شاشة “الإخبارية السورية” وقناة “سما”؛ وحتى “سورية دراما”، وصولًا إلى ما قاله بشار الأسد بعد انتهائه من أداء واجبه الديني تجاه ربه على أنقاض داريّا.

غير أن المسألة في مكان آخر، في ملعب الإدارة الأميركية، التي لم يكن التصريح المذكور أعلاه لوزير خارجيتها زلة لسان بالطبع. وهو يعكس ويلخّص، وسط حرص أميركي شديد في استعمال المصطلحات في أثناء التصريحات السياسية، الموقف السياسي الذي يكاد يكون معلنًا لإدارة باراك أوباما تجاه الملف السوري، وقد صار هذا الملف بيد الروس أساسًا. هذا الكلام والموقف من “التقاعس” الأميركي على أي حال، ليس موقفًا كان يراهن على الإدارة الأميركية -حتى النهاية- في إنهاء النظام السوري، على ما يحلو لبعض “المعارضين” السوريين أن يتهموا المعارضين الجذريين للنظام، بآراء وشماتة مفادها أن “الإدارة الأميركية قد خذلت المعارضة”. كلام يصدر عن أولئك “المعارضين” الذين لم يخذلهم النظام ولو للحظة، في حربه ضد عموم السوريين الثائرين ضده.

أخيرًا، تبلور الاتفاق الأميركي – الروسي حول سورية بصيغة مُعلنة، والصيغة المُعلنة لا تنفي وجود تفاهمات غير مُعلنة لم يُفصح عنها، ولم تُسرَّب إلى الإعلام أو الدوائر الديبلوماسية المعنية بسورية؛ وجوهر هذا الاتفاق هو الفصل بين “المعارضة المعتدلة” و”جبهة فتح الشام”، على طريق شن هجمات واسعة ضد الأخيرة، إلى جانب “داعش” طبعًا. لا يحضر الحديث عن الحل السياسي إلا في صيغ غامضة تقول -مثلًا- بأن “الاتفاق الأميركي الروسي يفترض به أن يفضي إلى بداية بحث عن الحل السياسي في سورية”، مع علم الطرفين المتفقَين أن “الهدنة في سورية هشة للغاية”.

ثمة تحليلات كثيرة تضج بها الصحافة وكتابات المحللين السياسيين في قراءة الاتفاق الأخير، وما تلاه من هدنة لمدة 48 ساعة، يفترض بها أنها تمددت لأكثر من 48 ساعة. ويقرأ المرء في الصحافة اليومية تفاؤلًا ساذجًا أو تحفظًا، أو تشاؤمًا قُدّ من حجرٍ. والحق يُقال، أن التشاؤم هو سيّد المشهد السوري اليوم، ليس بسبب احتمالات أن يقوم نظام الأسد بالتوفيق بين “الهدنة” من جهة، وبين “عودة سورية موحدة” من جهة ثانية، تبعًا لكلام وزير خارجية أوباما، بل وفقًا للاستعصاء الحاصل بين استحالة كون تصريحات كيري أمرًا واقعًا “سورية موحدة تحت حكم الأسد”، والاستحالة المفروضة على المعارضة -على تنويعات تشكيلاتها الأقل والأكثر تطرفًا في علاقتها مع الإسلام الجهادي ومع “جبهة فتح الشام” خصوصًا- في حسم المعركة لأسباب باتت معروفة، وعلى رأسها التفوق العسكري لداعمي الأسد، وليس للأسد نفسه.

على صعيد آخر، يبدو الروس أكثر براعة في الدبلوماسية وتسويق السياسات، عبر حجم الضخ الإعلامي بعد كل خطوة أو هدنة يكاد يلوح معها، لوهلة، أن سورية الديمقراطية التعددية باتت قاب قوسين أو أدنى، لا يعكر صفو تحقيقها سوى الجماعات المتطرفة التي كانت شماعة الروس في تدخلهم العسكري في سورية تحت راية “الحرب على الإرهاب”. لا تبدو مصلحة بوتين اليوم وإلى ما قبل الانتخابات الأميركية، متوافقة مع بقاء التعامل الأميركي مع الملف السوري، كما كان عليه طوال فترة باراك أوباما منذ اندلاع الثورة. فهو (بوتين) يعرف أن رئيسًا أميركيًا جديدًا لن يكون بالسياسة ذاتها التي انتهجها الرئيس الحالي؛ بناء عليه، يبدو العمل على تهيئة جو الانتقال نحو الإدارة الأميركية الجديدة يسير على قدم وساق، بالتوازي بين وزيري خارجيتَي البلدين، تتخلله هدن خلّبية لا تُسمن ولا تغني من قتل.

سيتسلم الرئيس الأميركي الجديد مهماته، وغالبًا ستكون كلينتون هي ذلك الرئيس، بعبء كبير في التعامل مع الحضور الروسي أساسًا في سورية على أرضية “تركة أوباما”، الذي يحاول جمع نقاط تسجل للتاريخ في أواخر أيام ولايته، وإن عبثًا وإلى حينها، سيكون لدى السوريين كثير من الهدن ومن اتفاقات التعاون الروسي والأميركي، وكثير من الموت اليومي والجوع والحصار على يد ميليشيات الأسد وحلفائه ومنتجات حربه على السوريين، إلى أن تقضي الانتخابات الأميركية أمرًا كان مفعولًا.. على الأرجح.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق