كلمة جيرون

التصفيق حتى الموت

الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يصفق، هناك -أيضًا- بضعة أنواع من القرود تفعل ذلك. كيف ومتى وأين نشأت هذه “البدعة”، ومن اخترعها أولًا من أمم الأرض والأنام! لا شك أن التصفيق كان معروفًا في المجتمعات الموغلة في القدم؛ فثمة نقوش فرعونية تُظهر المصريين، وهم يصفقون فرحًا، بمصاحبة الرقص والغناء، ويُظن أن التصفيق عند الفراعنة كان أداة الإيقاع الأساسية، وكان يصاحب حفلات الرقص والموسيقى والأفراح. وكان التصفيق عند اليونانيين وسيلة؛ لإظهار استحسان الجمهور، وإعجابه بالعروض المسرحية (الباخوسية) التي يشاهدها، ويقال: إن الرومان كانوا من أقدم الشعوب التي عرفت مهنة المصفق المأجور؛ فمن المتداول تاريخيًا أن نيرون -طاغية روما- أسس مدرسة خاصة لتعليم أصول التصفيق، وأنه كان يأمر جنوده بحضور الحفلات الموسيقية التي كان يغني فيها ويعزف على القيثارة؛ ليصفقوا له بعد الانتهاء من العزف والغناء، كما كان اليونان والرومان يصفقون –أيضًا- للمنتصر في الحرب.

ومن الثابت أن التصفيق، أو التصدية -كما ورد في الكتاب- يُعد مستنكرًا في الإسلام؛ لأن المشركين كانوا يستخدمونه في صلاتهم أيام الجاهلية {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}. وقد نهى الرسولُ الرجالَ عن ممارسته، وسمح به للنساء فحسب، كما ورد في الأحاديث النبوية.

في كل الأحوال يُعدّ التصفيق فعلًا بشريًا، وأداة تعبير ومشاركة، يمارسه الناس؛ للإفصاح عن الفرح أو الحماسة أو الإعجاب، في حفلاتهم ومناسباتهم العامة، وهو مرتبط -على الأرجح- بحركة الأطراف وفن الرقص وقرع الدفوف والإيقاعات القديمة، إنه حركة مُكرّرة يقوم بها الفرد بيديه كلتيهما، ضاربًا كفًا بكف، للتعبير –غالبًا- عن الإعجاب والمشاركة، التي تُعدّ شكلًا من أشكال إبداء الرأي في ما يسمع من كلام، أو يشاهد من صور وممارسات.

أي: أن هذه الوسيلة التعبيرية العريقة اخترعها البشر؛ للإفصاح عن مشاعرهم الصادقة، والتي تعني: الإعجاب والتشجيع والموافقة، والتواطؤ أحيانًا؛ لكنها تحولت –بالتدريج- إلى وسيلة من وسائل الإسفاف والانحطاط والاستغلال البشع.

لقد عاش السوريون أكثر من نصف قرن من التصفيق الحماسي المذل والمتواصل، من دون انقطاع وبلا أجر، من منا لم يصفق للطغمة الحاكمة! من منا تجرأ على وضع يديه في جيبيه إذا ما ذكر اسم الديكتاتور، أو اسم ابنه أو ابنته أو أخيه أو ابن عمه أو جده أو حتى بلدته! وكما كنا نصفق للقائد أو من ينوب عنه، كان يتوجب علينا أن نصفق -أيضًا- للشاعر التافه أو من ينوب عنه، وللنحات أو المنحوتة، وللمفكر أو الفكرة، وللكاتب أو الكتِاب، وللممثل والمخرج ومساعد المخرج… والجمهور –طبعًا- كان أكثر المشاركين حماسة وصخبًا في هذه الكوميديا السوداء الطويلة، التي كانت تقام على خشبة بلادنا، صارت الجماهير تصفق والنظام يصفق والأطفال يصفقون؛ وحتى الأشجار تصفق؛ هكذا بسبب وبلا سبب، صرنا نتبارى ونتنافس على التصفيق حتى الموت، وصار لزامًا على المبدع أن يلتزم بمنابر الطغاة وشعاراتهم الدارجة، مستجديًا التصفيق، متحولًا إلى  طبل سميك يتحمل (الدق)، أو بوق نحاسي -برقبة طويلة معقوفة- يستجدي التصفيق؛ تصفيق الضحية للقاتل، وتصفيق الضحية للضحية التي يعبر المبدع عن “مشاعرها الإنسانية والوطنية”!

وكان أكثر المصفقين حماسة، الإعلاميون والمثقفون والساسة المنافقون! فكيف حدث كل ذلك؛ ونحن أمام عظمة الفكر والفن والثقافة والسياسة والإعلام! أمام عظمة المنابر والشعب العريق الجبار! هل كنا نصفق للموت! وهل تم لهم كل ذلك بسحر ساحر! أم كان تصفيقنا مجرد تمثيل بتمثيل، وإبداعاتنا مجرد مساخر بمساخر!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق