هموم ثقافية

ماذا لو كانوا…

لا أدري لِمَ تحضرني ــ بين فترة وأخرى- الحادثة التي وقعت في تشيلي يوم 5 آب العام 2010، عندما انهار منجمٌ يضمّ اثنين وثلاثين عاملًا تشيليًا، وبوليفيًا واحدًا؛ كانوا يعملون في عمق 700 متر من جوف الأرض، ووسط حرارة تبلغ 40 درجة؛ ما جعل أملهم في الخروج سالمين يساوي الصفر تقريبًا.

آنذاك، قامت محطات تلفزة بنقلٍ مباشر للواقعة، فتابعتُ ما يجري على غرار الملايين ممن تابعوا، حيث تجمّع عدد كبير من التشيليين؛ أهالي العمّال بالطبع، والخبراء المتخصّصون بشؤون المناجم، وكان لافتًا الوصول السريع لرئيس البلاد إلى الموقع، وانضمام الرئيس البوليفي إليه، بعد ذلك؛ حيث رابطوا جميعًا في الموقع نحو ثلاثة أيام، جرت خلالها وتجلّت وقائع وعمليّات وحميّات تشبه الخيال، لعلَّ أبرزها الإرادة والحرص والتصميم الذي بدا من الجميع، من الرئيس التشيلي إلى أبسط مختص في الحفريات؛ بغية إخراج العمال أحياء.

حينها؛ كان الحادث رهيبًا حقًا، شبّهه مراقبون بالحرب العالمية، ولكنْ مع الطبيعة، وكان أكثر ما لفتني فيه السرعة في وصول الرئيس التشيلي إلى الموقع بالبذلة والقبعة العمّاليتين، وانخراطه فورًا في ما يجري، وحرصه على عدم المغادرة قبل إخراج آخر عامل.

وكذلك، حين كان يتمّ إخراج العامل، كما الوليد من الرحم، يمكث الرئيس منتظرًا حتى ينتهي العامل الناجي من عناق زوجته، واحتضان أولاده، ومصافحة الفنيين واحدًا واحدًا، ومن ثم يلتفت -أخيرًا-  إلى الرئيس الذي يسارع إلى معانقة العامل، والتقافز معه ابتهاجًا بنجاته.

وربما لأنّ تشيلي بلد فقير، فيه فساد وبيروقراطية، ويعجّ بالمحسوبيات والإهمال، ويندرج ضمن البلدان المتخلّفة كبلداننا؛ فقد خطر لأحد المشاهدين السوريين إرسال تعليق ظهر أسفل الشاشة، يتساءل فيه عبر جملة قصيرة قائلًا: «وماذا لو كان هؤلاء العمال عربًا، في بلد عربي؟!»

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق