تحقيقات وتقارير سياسية

جرائم الأسد، أدلة كثيرة وعدالة مغيّبة

في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة الأميركية تبحث مع روسيا الوضع السوري، وتحاولان -بكل جهد متاح- الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق نار في سورية، لا يُعكر صفوَ مصالحهما المتفاوتة في النهايات، والمتفقة على تدمير سورية، صدر تقرير للأمم المتحدة، نهاية آب/ أغسطس من العام الجاري، يتهم نظام الأسد باستخدام غاز الكلور ضد السوريين في إدلب مرّتين: الأولى في تل منس، في 21 نيسان/ أبريل 2014، والثانية في سرمين 16 آذار/ مارس 2015، وذلك؛ بالاعتماد على أدلة ووثائق استغرق جمعها وتحليلها أكثر من عام.

أعقب التقرير الأممي الذي هيمن على الساحة الإعلامية لأيام، اتّهامٌ صادر عن القضاء اللبناني، يؤكد ضلوع نظام الأسد في تفجيرات مسجدي السلام والتقوى، في مدينة طرابلس يوم 21 آب/ أغسطس عام 2013، والتي أودت بحياة 51 شخصًا، وإصابة أكثر من 500 آخرين بجروح مختلفة.

وما بين التقرير الأممي ونتائج التحقيقات اللبنانية، نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تحقيقًا يُظهر ضلوع بعثة المساعدات في الأمم المتحدة بإبرام صفقات بملايين الدولارات مع مقربين من نظام الأسد. وجاء في التقرير، أن الأمم المتحدة منحت صفقات قيمتها عشرات الملايين من الدولارات لمقربين من بشار الأسد، في إطار برنامج مساعدات إنسانية، مضيفًا أن الذي استفاد من هذه الصفقات شركات تخضع لعقوبات الأمم المتحدة والولايات المتحدة، ووزارات ومنظمات خيرية، ومنظمة أنشأتها أسماء الأسد، وأخرى أنشأها ابن خاله رامي مخلوف.

وعلى الرغم من الجلبة الإعلامية والتصريحات التي دارت حول الأحداث الثلاثة المتتالية، إلا أن السؤال الأبرز الذي يقف في مواجهة السوريين هو: إلى أيّ جدار ستَسندُ رأسها هذه الحقائق، وما النتائج الملموسة لكل تصريحات الإدانة والدعوات إلى المحاكمات التي ملأت فضاء العالم أجمع.

تزامن مشكوك في أمره

عبر كثير من السوريين عن أملهم في اقتراب بداية نهاية أوجاعهم، معللين أملهم بأن نظام الأسد تلقى ثلاث صفعات في عشرة أيام، في وقت حرج جدًا بالنسبة له، خصوصًا أنه بات يخسر في الميدان كثيرًا في الآونة الأخيرة، إلا أن الجانب الحقوقي لا يشارك السوريين آمالهم، بل يعدّ التزامن والتقارب في “الصفعات” ما هو إلا استراتيجية اشتباك سياسي جديدة للدول ذات المصالح في منطقة الشرق الأوسط.

يقول أنور البني، رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، في حديثه مع (جيرون): “إن المجتمع الدولي يستخدم ملف العدالة من أجل الابتزاز، كل بحسب مصالحه، كما أنهم يتقصدون تغييب ملف العدالة، وليس تأجيله إلى وقت محدد، وهم صريحون في هذه المسألة”.

وأضاف: “إن الدول الكبرى تقوم بنشر التقارير المتعلقة، في الوقت الذي تشعر فيه بأنها تستطيع أن تستخدمها، ولكي ترسل رسالة إلى النظام أنهم قادرون على محاسبته، كما أن مؤسسة المركز الدولي للعدالة والمساءلة، التي تقول: إنها تمتلك إثباتات على ضلوع شخصيات من النظام بارتكاب جرائم، تصدر تقاريرها في الوقت الذي تشاء، وعندما تسألها عن الأدلة لا تجدها، أو لا يعطونك إياها، علاوة على أنه لا أحد يعلم طبيعة الوثائق التي تمتلكها”.

كما يرى المحامي والناشط الحقوقي طارق حوكان، أن هذه التقارير تأتي في “سياق السعي المحموم للأطراف المنخرطة في سورية؛ لتحسين مواقعها التفاوضية، وفي سياق امتلاك أوراق ضغط، تحضيرًا للمفاوضات”، مشيرًا في حديثه لـ (جيرون) إلى أن “ما يجري الآن، وما قد ينجم عنه من اتفاقات، هو أيضًا يتم في هذا السياق”.

وتابع قائلًا: “لدي قناعة تامة بأنه سيأتي الوقت الذي سنرى فيه الطاغية، وكل من ارتكب جرائم بحق الشعب السوري في قفص الاتهام، أما في اللحظة السياسية الراهنة، فلن يكون لها كبير الأثر، سيتم التلويح بها كل فترة، وقد يتم إصدار تقارير أخرى، وستكون أساسًا في التهم التي ستوجه، لكن في الوقت الراهن ليس هناك إرادة سياسية لذلك”.

وأكد كثير من المتخصصين في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي، والذين استطلعت آراءهم (جيرون)، أن هذا الزخم الأخير للتقارير الحقوقية، لا يمكن التعويل عليه في ساحة المصالح المتشابكة للدول الفاعلة في الشأن السوري، فضلًا عن عدم وجود محكمة في الوقت الراهن، يمكن أن تعالج هذه التقارير، ولا سيما وسط وجود الفيتو الروسي الذي يأتي -هو الآخر- في إطار الاتفاق الدولي على تعطيل ملف العدالة في سورية.

أدلّة بدون قاعة والفيتو الروسي يحرس المرمى

تُعدّ الأزمة السورية من أغرب الأزمات في العصر الحديث، ولا سيما أن الجَاني الأكبر يرتكب ما طاب له من جرائم، وعلى مرأى من العالم أجمع، في حين تقف على الضفة الأخرى أمم متحدة بصمت مريب، ودول توحي للجَاني بأن “افعل ما شئت، فَقَاعات الحساب مُغلقة”.

يشير “البني” إلى أن أمام الأدلة ثلاث نوافذ “إما أن تذهب إلى المحاكم السورية، أو محكمة الجنايات الدولية، أو محكمة خاصة بالوضع السوري، ويوضح أن المحاكم السورية لا يمكن، ولا بأي شكل من الأشكال، أن تنظر في هذه الأدلة؛ لأنها مساهمة بطريقة أو بأخرى بما يحدث في سورية، كما أنها غير مؤهلة لا من الناحية الاستقلالية ولا القانونية ولا القضائية”.

وأضاف أن “محكمة الجنايات الدولية، أو محكمة خاصة بسورية، لا يمكن أن تنظر في الموضوع بذريعة أن سورية ليست موقعة على اتفاقية روما، وبالتالي؛ نحن بحاجة إلى قرار من مجلس الأمن من أجل إحالة الملف إلى محكمة الجنايات الدولية، وهذا القرار يتوجب عدم وجود فيتو أمامه”.

ولعل من الطبيعي أن تقف روسيا في وجه إحالة الملف إلى محكمة الجنايات؛ لأنها -هي الأخرى- مولغة في الدم السوري، وتقدم الدعم العسكري للنظام وكل الميليشيات التي تقاتل معه، كما أنها تدخلت مباشرة؛ لقتل المدنيين السوريين، منذ أيلول/ سبتمبر العام الماضي.

من جانبه أكد “حوكان” أن روسيا لن تمرر قرار إحالة الملف إلى محكمة الجنايات الدولية؛ لأن “التدخل الروسي في سورية، وما حققه للسياسة الروسية أكبر بكثير مما قد تخسره، نتيجة دعمها لنظام الأسد، كما أن روسيا استطاعت أن تهضم القرم، بعد أن ابتلعتها، دون مشكلات تذكر مع الغرب وأميركا. وهي تستعيد ثقلها في دول الاتحاد السوفياتي السابق، وتمرر اتفاقات الغاز”.

وأضاف، قائلًا: “السياسة الروسية -الآن- وفي مواقع كثيرة ذات ثقل أكبر من كل السياسة الأوروبية، ولذلك؛ فلن تتخلى عن النظام الأسدي حاليًا، وما تتعرض له من انتقادات، وما تخسره من سمعتها الدولية والأخلاقية أقل بكثير مما تجنيه من مكاسب”.

ومن هنا، يمكن النظر إلى دور المعارضة الهش في هذا الجانب، على الرغم جهدها في الضغط؛ للدفع نحو تفعيل ملف العدالة، إذ أنه ما من جهة فاعلة قانونيًّا، يمكن أن تقدم لها المعارضة هذه الوثائق في ظل التشابك والاشتباك الدولي والإقليمي؛ حتى الأمم المتحدة نفسها أظهرت -في أحد جوانبها- فسادًا يصبّ في مصلحة النظام السوري، لا في مصلحة سورية وشعبها.

أروقة الأمم المتحدة المُدماة

أثار تحقيق صحيفة الغارديان البريطانية، الذي أظهر تورط الأمم المتحدة -أو موظفيها- في التعاقد مع نظام الأسد، وعقد صفقات معه، تدعمه بملايين الدولارات، سخط الشارع السوري الذي لطالما عدّ الأمم المتحدة خلاصه، والجهة الأكثر فعالية في دعمه؛ لمواجهة الظلم والقتل اللذين تجذّرا في بلاده خلال عقود.

ونقلت الصحيفة عن الخبير في الدراسات الحربية في “كينغز كوليج”، رينود ليندرز، قوله: إن الأمم المتحدة مطالبة بإعادة النظر في استراتيجيتها؛ لأنها أضحت قريبة -بشكل مفضوح- من النظام. في حين رأى مراقبون أن الأمم المتحدة تخاطر بفقدان فاعليتها، وتعمل فعليًّا على تقوية نظام الأسد الذي قتل مئات الآلاف من السوريين، وشرد الملايين منهم.

ويؤكد “حوكان” أن هذا التقرير يشكل فرصة أمام المعارضة السورية، ومنظمات الإغاثة السورية؛ من أجل إيقاف هذا الدعم للنظام، ويوضح قائلًا: “رأينا كيف أن العشرات من المنظمات الإغاثية علقت نشاطها مع الأمم المتحدة في سورية، أعتقد أن نتيجة ذلك، ستوجب -على الأقل- إصلاح طريقة عمل المنظمة الدولية”.

في حين يرى “البني” أن هذا التقرير لا يمكن التعويل عليه في إحداث فارق كبير على المستوى السوري، موضحًا أن “الأمم المتحدة فتحت تحقيقًا داخليا في الموضوع، وهذا لا يمت للسوريين بصلة، إلا أنه من الممكن أن يحسن موضوع المساعدات للشعب السوري، ويصّوب طريقه، لكن على مستوى محاسبة المستفيد، فلا يمكن التعويل عليه”.

وعدّ البني الرسالة الدولية بحد ذاتها -بما فيها رسالة الأمم المتحدة- حول إيجاد حل سياسي للأزمة في سورية تُذكي رغبة القتل لدى النظام، إذ أن الحل السياسي، لا يقوم على المحاسبة، وإنما يقوم على قاعدة “لا غالب ولا مغلوب وعفا الله عما مضى”.

وتابع أن هذه الرسالة هي بمقام ضوء أخضر للنظام، و”تنظيم الدولة الإسلامية”، والمليشيات الكردية و”جبهة فتح الشام” وغيرها؛ لارتكاب جرائم أكثر على الأرض السورية، وقال: “العدالة هي ما توقف الجرائم، والعالم لا يريد إيقافها بقصد، وهذا يدل على أن العالم والأمم المتحدة ليسا متورطين بفساد مالي فحسب، بل متورطين بجرائم عمليًّا، حيث إنهما يعلمان -تمامًا- أن رسالتهما نفسها هي دعوة للقتل، والنهاية هي طاولة مفاوضات نحو حلّ سياسي لا يعتمد على العدالة”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق