هموم ثقافية

سلاح لم يُستخدم بعد!

أبواب الغرف الدولية السوداء الموصدة، العصيّة على الفتح، سَجنت داخلها كل الحلول الممكنة لإيقاف المحرقة السورية، هذا هو المشهد الوحيد الواضح اليوم، لا حلول عسكرية حاسمة، كما لم تُنتج كل المحاولات الدبلوماسية، واللقاءات والاجتماعات السياسية، والمؤتمرات، والحملات الإعلامية شيئًا يستحق الذكر على هذا الصعيد.
هل طُرقت كل الأبواب فعلًا؟! هل كل الحروب أو الصراعات التي اندلعت في هذا العالم الأحمق توقفت؛ إمّا بحسم عسكري أو بحل سياسي؟!
يجيبنا التاريخ -لو سألناه- بلا، ويضيف: إن سلاحًا بشريًا لطيفًا هائل القوة والأثر، لم يُستخدم بعد، ولم يجرّب، ومن شأنه ربما -لو استُعمل على نحو صحيح- أن يوقف هذا الجنون.
تروي لنا الميثولوجيا اليونانية أحداث حرب طويلة طاحنة، نشبت بين الأثينيين والإسبارطيين، حيث يسرد لنا أرسطو فانس في مسرحيته “ليسيس تراتا”، أن نساء المتقاتلين الإغريق فرضن إيقاف تلك الحرب الطويلة، بإضرابهن عن ممارسة الجنس مع أزواجهن وعشاقهن.
هنا قد يقول بعضهم: إن تلك ميثولوجيا يونانية مغرقة في القدم، وربما لم يكن تصرف النساء الإغريقيات على ذاك النحو إلا من صنع الخيال، وأوهام من ترجم ونقل، غير أن التاريخ الحديث يؤكد بما لا يقبل الشك، ويثبت صحة الفكرة، وواقعية الحدث.
لقد حصل، وفي القرن الواحد والعشرين، خمسة إضرابات شهيرة، قامت بها النساء بالامتناع عن ممارسة الجنس؛ لإيقاف معارك وحروب وصراعات دارت في بلدانهن.
– في الحرب الأهلية الليبيرية الثانية في 2003، شكلت نساء ليبيريا كتلة العمل من أجل السلام، بزعامة “كريستال روه غاودينغ”، حركة عملت على إنهاء الحرب الأهلية الليبيرية الثانية، وأجبرت نساء ليبيريا الرئيس تشارلز تايلور على لقائهن، حيث انتزعن منه وعدًا بحضور محادثات السلام في غانا، للتفاوض مع المتمردين، من الاتحاد الليبيري، من أجل المصالحة؛ فقد توجّه وفد من نساء ليبيريا إلى غانا لمواصلة الضغط على الفصائل المتحاربة في أثناء عملية السلام، وكانت أعمالهن سببًا للاتفاق خلال محادثات السلام المتوقفة، نتيجةً لذلك، وأصبحت النساء قادرات على تحقيق السلام في ليبيريا بعد حرب أهلية، استمرت أربعة عشر عامًا، كما ساعدن -بعدها- على تنصيب امرأة؛ أول رئيسة للبلاد.
بدأت هذه الحركة بالظهور الإعلامي واستحوذت على الاهتمام والحضور، بعد أن قامت النساء الليبيريات بالإضراب عن ممارسة الجنس.
– وفي حرب العصابات في كولومبيا 2006، نفذت نساء منطقة “بيريرا” إضرابًا، امتنعت فيه زوجات وصديقات زعماء المافيا في كولومبيا، عن ممارسة الجنس؛ ما وضع حدًا لصراعهم الدامي الذي أزهق أرواح كثير من شبابها، كما انخفضت -حينئذ- نسبة الجريمة في شوارع كولومبيا كلها بنسبة 25.5 بالمئة خلال اسابيع.
– وفي عام 2011، أنهت نساء بلدة “دادو” أربعة عقود من الحرب الأهلية الطاحنة على جزيرة “مينداناو” في الفلبين، حين قررت الإضراب عن ممارسة الجنس مع أزواجهن؛ حتى توقفت أعمال العنف على الجزيرة.
– أما في أميركا 2012، فقد تعرض أمر الوصاية، المتعلق بإدخال وسائل منع الحمل في التأمين الصحي إلى هجوم حاد من الشعب الأميركي؛ ما دفع النساء الليبراليات إلى إعلان إضراب عن ممارسة الجنس، امتدّ من 28 أبريل وحتى 5 مايو، وكان للمحافظين دور كبير في قيادة الهجوم على هذه الوصاية، إلّا أن الوصاية تم إقرارها في النهاية، وانهزم المحافظون.
– وجاء إضراب نساء كولومبيا الثاني عام 2013، وامتناعهن عن ممارسة الجنس؛ فحمل الحل لمشكلة شوارع مدينة “برباكواس” الكولومبية.
– كما لم تؤثر العقوبات السياسية والاقتصادية كثيرًا على موسكو بعد سيطرتها على معظم جزيرة القرم 2014، فاختارت مجموعة من النساء الأوكرانيات وسيلة أخرى للضغط على الرجال الروس، ألا وهي الإضراب عن ممارسة الجنس معهم، ذلك بهدف لفت الانتباه إلى مجريات الأحداث في القرم، والحد من مطامع موسكو في الأراضي الأوكرانية، وقد أطلقن حملة واسعة رفعن فيها شعار “لا تسلمي نفسك للروس”. أتى هذا الشعار مقتبسًا من قصيدة “كاتيرينا”، لشاعر أوكرانيا الكبير (تاراس تشيفتشنكو)، وقد شاركت في ذاك الإضراب وحركة الاحتجاج تلك، سيدات أوكرانيات من أصل روسي، وقد أطاحت تلك الحملة، في شباط/ فبراير، بالرئيس “فيكتور يانوكوفيتش” الموالي لروسيا، وكانت صاحبات تلك المبادرة نساء ناجحات، من سيدات أعمال وصحافيات وكاتبات.
انطلاقًا من هذه الحيثيات الواقعية والآثار التاريخية، هل يمكن أن يُنجز سلاح الأنوثة اللطيف ما لم تنجزه الطائرات والمدافع والرصاص، أو طاولات الحوار المستديرة والمربعة والمستطيلة، أو المجالس والهيئات والمؤتمرات، والدولارات.
ربما على الشعب السوري أن يصرخ، مناشدًا نساء دول الأرض، وأصدقاء سورية، وأزواج وخليلات أوباما وكيري وبوتن ولافروف ودي مستورا وهولاند وميركل وكلنتون وخامنئي والأسديين الشبيحة، وأخلّاء لبوات الأسد، وأسماء الأخرس، بثينة شعبان، وأزواج الممانعين والزينبيين والفاطميين والفلسطينيين الجبريليين والقوميين السوريين الاجتماعيين والأوجلانيين واليسار المتخيمن…، أن يا نساء الأرض اهجرْن في الفراش الفحول المخصيين الذين ذبحوا أطفالنا، وشردوا نساءنا، ودمروا بيوتنا واعتقلوا شبابنا؛ لعلّ في أنوثتكن بعض الحياة.

مقالات ذات صلة

إغلاق