قضايا المجتمع

اللاجئون السوريون في لبنان يشكُون من عنف المفوضية

يعيش السوريون (لاجئون ومقيمون) في لبنان أوضاعًا معيشيةً مترديةً، بدءًا بالصعوبات التي يلاقونها في دوائر الأمن العام؛ لاستخراج إقامات تضمن لهم وجودًآ قانونيًا، مرورًا بالقوانين التي تحرم عليهم العمل في أكثر من مئة مهنة، وصولًا إلى قرارت منع التجول التي ازدادت حدتها على خلفية تفجيرات البقاع في قضاء بعلبك المتاخم للحدود السورية في حزيران الماضي.

تعد المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، الخيار الوحيد لكثير من السوريين لمساعدتهم في تلبية حاجاتهم، سواء المعونات الإنسانية أو الطبية أو الإغاثية، أو في دوائر الأمن العام الذي يعتمد ورقة تسجيل المفوضية ككفالة؛ لتجديد إقامات السوريين في الأراضي اللبنانية.

يتهم كثير من السوريين المفوضية بسوء التعامل معهم، بعد أن وقعت حوادث عديدة، حولت المفوضية إلى ورقة سوداء لدى كثير من اللاجئين، مثال ذلك، انتشار تسجيل مصور، انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي أواخر تموز/ يوليو الفائت، يُظهِر رجال أمن المفوضية، وهم يعتدون بالضرب على اللاجئ السوري، أسامة مراد، في حرم المفوضية في بيروت، كما تكررت حوادث محاولات اللاجئين (من الجنسين) حرق أنفسهم، لعدم التفات المفوضية إلى معاناتهم، وغالبًا ما يطلب اللاجئون دعم ملفهم بالمساعدات أو إعادة التوطين.
اعتداء متكرر

خرج مراد مع عائلته من سورية منذ نحو ثلاث سنوات، هو وطفلاه، هربًا من الخدمة العسكرية واضطراب الأحداث في قريته المتراس التابعة لصافيتا، وسجّل لدى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، وفي تموز/ يوليو الفائت، كانت لأسامة زيارة إلى المفوضية، تعرّض خلالها للاعتداء والضرب من رجال الأمن فيها، بشكل غير إنساني.

وحول التفاصيل، قال مراد لـ (جيرون): إنه لم يجد في المفوضية من يجيب عن أسئلته التي تُمثّل له أكبر هواجس حياته، “من يساعدني إذا طُردت من منزلي؟ هل ملفي مهيأ للسفر؟ ماذا عن وضعي الصحي؟… إلخ”.

ووصف الحادثة، قائلًا: “ذهبت إلى المفوضية لأنني كنت مهددًا بالطرد من المنزل، فأردت الاستعانة بها، إذ كنت أظن أن المفوضية مسؤولة عني، فلم أجد الرد عن أسئلتي، وبإلحاحي على مقابلة الأشخاص المعنيين، وأصراري على ذلك، وقلت لهم بأني إنسان ولست حيوانًا، فضربني رجال الأمن، ولم تعتذر المفوضية عن ذلك التصرف، ولازالت المفوضية تتعامل معي بالأسلوب الفظ نفسه، وأعاني من تلك الكدمات حتى الآن”، وهو ما أكّدته زوجته أيضًا، والتي قالت: “مازال زوجي لا يقوى على التحرك حتى داخل المنزل”.

اللافت في الأمر تأكيد مراد أنها ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها للشتائم والإهانة والعنف الجسدي، إذ تكررت معه أكثر من خمس مرات، وأوضح، قائلًا: “أزور المفوضية دائمًا، نحن -السوريين- لا نستطيع حل مشكلاتنا في لبنان، لأننا لا نملك أي ورقة قوة هنا، وعلى المفوضية التي تتحدث باسم السوريين، أن تقوم بأبسط خدماتها لنا، وهي تغطية حاجاتنا الملحة، خاصةً أننا لا نستطيع العمل في لبنان، ومهددون -في كل لحظة- بطردنا من منازلنا من دون أي سبب، وفي كل مرة أتردد إلى المفوضية تحصل معي مشكلة مشابهة”.

من جهتها اتخذت المفوضية إجراءات فورية، قضت بتوقيف رجل الأمن عن العمل، وفتحت تحقيقًا في الحادثة، بالتعاون مع شركة (بروتكترون) للأمن والحماية المتعاقدة معها، وليس هناك حتى الآن معلومات عن التحقيق ونتائجه، وقال المكتب الإعلامي للمفوضية في بيروت لـ (جيرون): إن “حرّاس الأمن العاملين لدى المفوضية يخضعون بانتظام للتدريب على طريقة إدارة الحشود، والتعامل بشكل فاعل ومحترم وسلمي مع اللاجئين، في أثناء وقوفهم في الطوابير أو في قاعات الانتظار، وأي خرق لمدونة قواعد السلوك من موظفي المفوضية أو حراس الأمن العاملين لديها، يؤدي إلى اتخاذ أقصى الإجراءات التأديبية، وهدفنا الرئيس هو دعم اللاجئين ومساعدتهم، ونحن نقوم بالتدخل مع السلطات اللبنانية من أجل إدخال اللاجئين على الحدود السورية إلى لبنان”.

أمثلة أخرى

مثال آخر يندرج في السياق نفسه، حدث قبل الاعتداء على مراد بشهر، حيث أُوقف اللاجئ عيسى الخليل في مخفر الرملة البيضاء، في العاصمة بيروت، بعد محاولته حرق نفسه أمام المفوضية، وأطلق عليه ناشطون سوريون عبر وسائل التواصل الاجتماعي لقب “البوعزيزي السوري”، ذلك؛ لأنه أراد حرق نفسه أمام الجموع احتجاجًا على سوء المعاملة.

قال عيسى الذي انتظر ساعات؛ ليصل -بعد طول عناء- إلى إحدى النوافذ في مركز المفوضية لـ (جيرون): “قامت موظفة المفوضية برمي أوراقي على الأرض، في الوقت الذي كنت فيه أقول لها أنا بحاجة إلى مساعدة، فجمعت الأوراق وعدت ثانية إليها، فما كان منها إلا أن رفضت سماعي، وطلبت من الشخص الذي خلفي بالتقدم، مشيرةً إلى أن دور مقابلتي قد انتهى!”.

هذا التصرف، دفع عيسى لسكب مادة البنزين على جسده، بنيّة حرق نفسه أمام مبنى المفوضية، لأن ذلك برأيه “أفضل من أن يعاملونني بلا حفظ لكرامتي”، واستطاع رجال الأمن الإمساك به، وبدلًا من تهدئة خاطره، انهالوا عليه بالضرب، وقاموا بتسليمه إلى عناصر الأمن العام اللبناني، ليمكث في سجونهم 19 يومًا، وقال بأنه تعرض للضرب والإهانات.

من جهته، أكد صفوان الخطيب، المسؤول الإعلامي عن صفحة “تنسيقية اللاجئين السوريين في لبنان”، أن حالات الاعتداء على اللاجئين السوريين “كثيرة”، وحمّل مسؤولية هذه الانتهاكات للمفوضية والسلطات اللبنانية على حد سواء، منوهًا إلى أن “دور رجال أمن الحماية هو حماية اللاجئين أيضًا فوق دورهم في حماية المفوضية، ولا يحق لهم التعاطي مع اللاجئين كما فعل مكتب بيروت”.

كما طالبت مؤسسات ومنظمات عاملة في مجال حقوق الإنسان، المفوضية باتخاذ الإجراءات الملائمة بحق موظفيها المعتدين، وبفتح تحقيقات جدية، وشجب المحامي نبيل الحلبي، المدير التنفيذي لمؤسسة (لايف) لحقوق الإنسان مثل هذه التصرفات قائلًا: “إذا كان هناك تعاقد مع شركة أمنية، فعلى المفوضية فك التعاقد معها بسبب إساءتها لسمعة المفوضية، من خلال تعاطيها السيئ مع اللاجئين طالبي الحماية، التي انحدرت إلى الضرب والإيذاء والتهديد”.

يُذكر أن عدد اللاجئين السوريين في لبنان قد تناقص في الآونة الأخيرة، إلى مليون و30 ألف لاجئ، بعد أن قامت المفوضية بوضع آلية لشطب أسماء اللاجئين الذين لا يقومون بتجديد ورقة المفوضية بعد انتهاء فترة صلاحيتها، وربما خفف هذا عن المفوضية أعباء، وهو ما يُسهّل المطلوب منها، وهو حماية اللاجئين في لبنان، وتأمين عبورهم إلى دول أكثر أمنًا، وضمان حقوقهم، وقبل هذا وذاك، حمايتهم من موظفيها في بعض الأحيان.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق