اقتصاد

تزايد السكان والتنمية

كم سننجب من الأطفال؟

ربما لا يعلم الزوجان أن هذا السؤال العادي جدًا، هذه الأيام، في مسألة لا تتعدى نطاق الأسرة، ستشكل على المستوى الوطني سياسة عامة، لها آثارها الكبيرة جدًا على الاقتصاد الوطني، ومستوى المعيشة، ونمط الحياة؛ فهذا السؤال العائلي يحدد مسألة جوهرية في سياسات التنمية، فهو يحدد -في النهاية- معدل نمو السكان[1]، الذي يلعب دورًا حاسمًا في مسائل كثيرة، كما سنرى.

من قبلُ كانت الطبيعة كفيلة بمعالجة زيادة السكان، فكانت الأمراض الفتاكة وأحوال العيش الصعبة، إضافة إلى الحروب الصغيرة والكبيرة، كفيلة بمنع تزايد البشر بشكل مفرط، ولكن مع تقدم الطب والأدوية وتحسن شروط الحياة، أصبح عدد الوفيات من المواليد محدودًا جدًا؛ ما جعل معدلات تزايد السكان ترتفع بنسب كبيرة.

المفارقة هذه الأيام أن الطبقات الوسطى والغنية تميل إلى عدد قليل من الأولاد، بينما الفئات الفقيرة كثيرة العدد، ويعمل هذا كمقص بالنسبة إلى مستوى معيشة العائلة الفقيرة، ويؤثر في مستوى حياة أفرادها، ويقلص من فرص تعليمهم، ومستوى عيشهم، وفرصهم في الحياة مستقبلًا؛ فبما أن معظم الأسر محدودة الدخل في معظم دول العالم، بما فيها المتقدمة، فإن كثرة الأولاد تجعل نصيب الفرد في الأسرة ينخفض كلما زاد عدد الأولاد، والعكس صحيح، وبما أن الأولاد يحتاجون إلى تعليم وتأهيل ودورات وألعاب وكتب وتسلية، ورحلات توسع مداركهم، فإن ما يحصل عليه كل فرد في الأسرة سيكون محدودًا، وفي النتيجة؛ تضطر الأسر الكبيرة محدودة الدخل الى حرمان بعض، وربما جميع، أبنائها من مواصلة التعلم بعد المرحلة الابتدائية، وهذا سيحدد مستقبلهم وطبيعة أعمالهم وحياتهم.

يصعب -عادة- على بلد ما -اليوم- أن يحقق معدل نمو مستمرًا وممتدًا، إن كان معدل زيادة السكان فيه يزيد عن واحد بالمئة، بينما نجد الدول المتقدمة قد حافظت على معدلات نمو سكان منخفضة، قريبة من الواحد بالمئة؛ ما زاد في نموها نموًا، في الوقت الذي نجد فيه بلدان العالم الفقيرة تملك معدلات نمو مرتفعة، تزيد عن 2، وربما عن 3 بالمئة، ما زاد من فقرها فقرًا.

ومن أجل تحقيق معدلات نمو مرتفعة، لجأت الصين الى سياسة تحديد نسل صارمة؛ فاتبعت سياسة “طفل واحد للزوجين”، وطبقت هذه السياسة لسنوات طويلة؛ ما ساعدها، إلى جانب عوامل أخرى، في أن تحقق معدلات نمو مرتفعة جدًا، وكوريا الجنوبية -من جانبها- شجعت سياسات تحديد النسل في وقت مبكر، ووضعت هدفها “طفلان اثنان لكل زوجين”، وشجعت تعقيم الرجال والنساء من أجل عدم الإنجاب، وحققت -بالتالي- معدلات نمو مرتفعة.

ولكن الاستمرار في سياسات صارمة لتحديد النسل؛ يؤدي -في النهاية- إلى شيخوخة المجتمعات، وتصبح بعد حين نسبة كبار السن مرتفعة في المجتمع، مقابل انخفاض نسبة المشتغلين؛ فمثلًا كوريا الجنوبية، والبالغ عدد سكانها اليوم 52 مليون نسمة، أصبحت تعاني من أخفض معدل مواليد في العالم، أي 1.19 طفل لكل امرأة، أي أقل من اثنين؛ ما يعني انخفاض عدد السكان. وخوفًا من هذا الأمر، ومن نتائج سياسة تحديد النسل الصارمة، لجأت الصين الى تعديل سياستها السابقة في تحديد النسل، وباتت تسمح بطفلين اثنين للزوجين.

المشكلة أن مجتمعات كثيرة ليست بحاجة إلى سياسات حكومية لتحديد النسل، فثقافة المجتمع كفيلة بذلك عبر العزوف عن الزواج أو إنجاب عدد قليل من الأطفال، بما لا يعوض الوفيات، وقد باتت روسيا تعاني من انخفاض عدد السكان أيضًا، وينزح سكان مناطقها الشرقية نحو الغرب، فيسارع الصينيون لملء هذا الفراغ؛ ما يهدد بتحولها إلى منطقة صينية مستقبلًا، كما تعاني كل من أوروبا وأميركا الشمالية واليابان من مشكلة انخفاض معدلات نمو السكان، إلى أقل من حاجات الاقتصاد الوطني، بل بأقل من حاجات استمرار مجتمعاتها على المدى الطويل.

تلعب عوامل كثيرة في انتشار ثقافة العزوف عن الإنجاب المهددة للجنس البشري، فإضافة إلى جانب الإيثار الذاتي والأنانية، الذي ينمو لدى الشعوب المتقدمة والفئات المتعلمة والطبقات الوسطى والعليا، يلعب نمط الحياة العصري وضغوطاته، وكثرة متطلباته ومتطلبات تربية الطفل وتكلفتها، إضافة إلى البطالة وأزمة السكن دورًا دافعًا في العزوف عن إنجاب الأطفال، بل حتى ارتفاع تعليم المرأة ودخولها إلى سوق العمل، يلعب مثل هذا الدور؛ بسبب استمرار العقلية الذكورية في رفض الرجل مشاركة المرأة في أعمال البيت، وتربية الأطفال؛ لتشجيع المرأة على الإنجاب والعمل، كما تلعب السياسات البائسة في الدول المتقدمة لتشجيع الأسر على الإنجاب دورًا كابحًا.

وبينما تبرز -اليوم- في أوروبا ظاهرة النساء الوحيدات مع طفل وحيد، تبرز ظاهرة النساء العانسات في عدد من البلدان، وقد بدأت هذه الظاهرة بالبروز بقوة في الصين، بل بدأت تبرز في بلد مثل الجزائر، وإن كانت لأسباب وأحوال مختلفة نسبيًا، فبحسب برنامج أذاعته قناة العربية[2]، تعاني الجزائر من مشكلة مزدوجة، فإضافة إلى اتجاه الأسرة الصغيرة، فقد تجاوز عدد النساء العازبات اللواتي تجاوزن الـ 25  من أعمارهن دون زواج، تجاوز الـ 12 مليون فتاة، بينهن 5 ملايين تجاوزن الـ 35 سنة.

لكن في مقابل مشكلات هذه البلدان في انخفاض معدلات الولادات، وخطر تراجع عدد السكان، فإن بلدانًا أخرى تعاني من فائض في سكانها؛ فمثلًا يبلغ معدل نمو تزايد سكان مصر نحو 2.5 في المئة سنويًا؛ ما يعني زيادة سكانية تبلغ 2 مليون مولود جديد سنويًا، يحتاجون إلى نفقات معيشة وتربية وتعليم وطبابة وخدمات ثم فرص عمل في المستقبل، ولا يستطيع اقتصاد مصر المتهالك أن يؤمن هذا كله؛ ما يترك آثاره السلبية على المجتمع المصري، كما أن دولًا كثيرة في أفريقيا وآسيا تملك فائضًا سكانيًا؛ بسبب كثرة المواليد، وضعف اقتصادياتها، وانعدام فرص العمل، إلى جانب انخفاض مستويات الحياة فيها؛ ما يخلق موجات كبيرة من الهجرة باتجاه دول الشمال قليلة السكان، ولكن دول الشمال تحتاج إلى عدد محدود من العمالة غير المؤهلة، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى عدد أكبر من العمالة المؤهلة، التي يمكن أن تعوض نقص العمالة في قطاعاتها الصناعية والخدمية المتقدمة، وهي تسعى إلى اجتذاب كادراتها من بقية دول العالم، ولكن هذا الأمر الذي ترغبه الشركات، إنما يهدد ثقافاتها؛ ما يخلق حركات معادية للأجانب. اليابان حصنت نفسها “ضد الأجانب”، فهي لا تفتح أبوابها للهجرة أبدًا، وتعتمد على قوة العمل اليابانية في تأدية الأعمال العادية كافة، ولكنها لم تستطع أن تحمي نفسها من تراجع رغبة الأجيال الجديدة في الزواج والإنجاب؛ ما يضعها أمام المخاطر نفسها.

هذا الوضع يوقع سكان الدول المتقدمة في تناقض، فهم لا يريدون الإنجاب حفاظًا على راحة بالهم، ثم لا يريدون استقبال عمالة مهاجرة خوفًا على ثقافتهم، وفي الوقت نفسه، يريدون المحافظة على مستوى حياتهم المرفه، وهذه تناقضات لا تجتمع في إناء واحد.

أي سياسة سكانية لسورية

كان متوسط زيادة السكان في سورية حتى عام 2010 نحو 2.5 بالمئة. وكان هذا المعدل يرتفع في المناطق الشرقية إلى ما بين 3.5 و4 بالمئة، بينما ينخفض في المناطق العربية عن 2 في المئة. ولكن كل شيء في سورية تغير اليوم.

انعكس الصراع في سورية على أعداد السوريين، وعلى تركيبة السكان، فقد قُتل -حتى الآن- ما يقارب نصف المليون نسمة؛ بسبب الأعمال القتالية، غالبيتهم من الرجال، كما توفي أكثر من نصف مليون آخر؛ بسبب فقدان الغذاء والدواء والخدمات الطبية والماء النظيف، وتردي أحوال المعيشة، كما هاجر إلى دول بعيدة أكثر من مليوني سوري، ينتمي أغلبهم إلى الفئات الوسطى وفئات الشباب والفئات المتعلمة، إضافة إلى أكثر من خمسة ملايين مهجّر في دول الجوار، ولن يعود جزء منهم إلى سورية؛ حتى مع عودة الاستقرار. إذن؛ فقد خسرت سورية جزءًا كبيرًا من سكانها وقوة عملها، وستحتاج مستقبلًا إلى اتباع سياسة سكانية تشجع الإنجاب، ولعل بعض الرجال، سيجد في ذلك فرصة ومبررًا قويًا ليتزوج بعدة نساء في آن معًا، ويزاود في هذا بأنه “عمل وطني”.

 

[1] ) معدل نمو السكان: هو تفاضل عدد الولادات مطروحًا منه عدد الوفيات خلال السنة مقسومًا على عدد السكان في تلك السنة.

 

[2] ) رابط البرنامج: https://www.alarabiya.net/programs/special-mission.html

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق