مقالات الرأي

اتحاد الكتاب العرب وسورية

لم يكن استثناءً من سواه أن يكشفَ البيان النهائي الصادر عن المؤتمر الأخير للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، الذي عُقد في دبي قبل أسبوع، عن طبيعة النظام السياسي العربي الحالي في أشدّ تجلياتها شمولًا، والتي يمكن قولها بكلمات عدة: أجمل الكلمات في غياب الأفعال! لكنه ينطوي، وهو يكرر اليوم ما سبق وقاله أكثر من مرة في مؤتمراته السابقة، على أكثر من دلالة، ليس أقلها التعامي أو سوء النيّة أو الاستهتار بعقول الناس، أو كل ذلك معًا.

لا يقتصر الأمر في هذا البيان على تجاهل مأساة السوريين شعبًا منذ نيف وخمس سنوات، ولا على تناسي مقتل وسجن وتغييب العديد من الكتاب السوريين، فضلًا عن نفي أو تهجير معظم الأحرار منهم، ولا على اللامبالاة إزاء رابطة الكتاب السوريين التي تمثل هؤلاء الأخيرين التي تجسدت في تعامُلٍ يفتقر إلى أدنى ضروب التهذيب مع رسالة صريحة، أرسلها رئيسها صادق العظم إلى رئيس الاتحاد العام للكتاب العرب بمناسبة مؤتمره هذا، على وجه الدقة، حين لم تحظ منه حتى بتأكيد الاستلام.

لا يقتصر الأمر -كذلك- على طريقة تسوية الخلاف مع رئيس اتحاد الكتاب الأسدي في دمشق الذي نشب إثر بيان أصدره الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، واستنكر فيه قصف المدنيين في مدينة حلب، دون اتخاذ أي موقف لصالح هذا الطرف أو ذاك، لكنه، وعلى حذره من تسمية الأشياء بمسمياتها الفعلية، بدا لبعض الحالمين وكأنه يبشر بعهد جديد، تُقدَّسُ خلاله حرية الكاتب الحقيقية في إدانة استبداد النظم العربية وعنفها، ولا سيما النظام الأسدي، إلا أنَّ رئيس اتحاد الكتاب الأسدي رأى أنه كان على الأمين العام قبل إصدار بيانه “العودة إلى رئيس اتحاد الكتاب العرب في سورية، بوصفه مساعدًا للأمين العام للاتحاد، وبوصف اتحاد الكتاب العرب الجهة التي كان يجب العودة إليها بهذا الشأن؛ لمعرفة ما يجري في سورية حقًا، لا زيفًا ولا تشويهًا”، وهي تسوية تمت عن طريق الاحتفال برئيس هذا الاتحاد الأسدي الطابع والخطاب الذي يمثل كل من يستسيغ اليوم الاستبداد والقمع، ويقبل العيش في ظل حرية فكر، قرر مؤسس هذا النظام منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي أن لا رقابة عليه، سوى رقابة ضميرٍ، رأينا كيف جسّدته من بعدُ مجموعة الدوائر الأمنية السورية على اختلافها.

كما أن الأمر لا يتوقف عند استخدام لغة خشبية اهترأت من كثرة استخدامها، أسماءً بلا مسميات وصفاتٍ لموضوعات لا وجود حقيقي لها في الواقع العياني، بل تضمن ما هو أسوأ من ذلك كله: جوهر الصفاقة الذي تجسد في تبنٍّ حرفي لخطاب نظام الممانعة الأسدي بمفرداته ومعانيه ونفاقه وكذبه، ومن ثم لم يكن صدفة أن عُهِدَ إلى ممثل اتحاد الكتاب الأسديين؛ كي يلقي هذا البيان في ختام أعمال المؤتمر مادام بوصفه عضوًا في لجنة الصياغة قد أملى إرادة أسياده كما لو كان ذلك جزءًا من التسوية بين الأمين العام ونائبه!

يكفي أن نستعرض بعضًا من هذه “الثوابت” التي أتحفنا بها هذا البيان؛ كي نتحقق من هذا التماهي في لغة النظام الأسدي الخشبية: هناك كالعادة مشجب نظم الاستبداد العربي المفضَّل: القضية الفلسطينية وما يرتبط بها عبر “التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين، وفي تقرير مصيره، وبناء الدولة الفلسطينية ذات السيادة على كامل التراب الفلسطيني” من ناحية، و”التأكيد على مقاومة مختلف أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني”، والتأكيد على “ثقافة المقاومة” وذلك “من أجل مواجهة مختلف أنظمة الاحتلال لأجزاء من الجغرافية العربية، ومنها: الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والجولان السوري ولمزارع شبعا اللبنانية” مع إضافة جملة غابت عن أدبيات النظام الأسدي زمنًا طويلًا، وها هي تستعاد بمناسبة العداوة القائمة بينه وبين تركيا، أي: “الاحتلال التركي للواء اسكندرون السوري”، من جهة أخرى. وهناك ادعاء ثقافة الحوار: من خلال “دعوة الأدباء والكتاب العرب والقوى الفكرية والسياسية في الوطن العربي إلى تغليب لغة الحوار على لغة الشحن العرقي، والديني، والطائفي، وإلى تعزيز ثقافة التنوير”، ثم خصوصًا “دعوة الحكومات العربية إلى احترام حرية التعبير والاختلاف في الرأي والتخلي عن أي دور وصائي على أي جهة ثقافية عربية”، وأخيرًا “الوقوف إلى جانب قوى التنوير، والدعوة إلى دعمها بمختلف الأشكال، بما في ذلك حق هذه القوى في بناء بنفسها وفي تمكينها من مواجهة الفكر الظلامي”.

لا يختلف البيان في طريقة صياغته وفي توجهاته العامة عما يصدر عن المؤتمرات التي تنظمها الجامعة العربية أو المنظمات التابعة لها، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي: لغة خشبية تعبر عن عجز بنيوي يتفاقم مع طبيعة علاقات القوى القائمة في مجلس الجامعة بين أعضائها ويتحول شللًا تامًا في غياب كل إرادة لعمل جماعي ناجع، ولا سيما إرادات الدول التي كانت على مدار تاريخ هذه الجامعة تشحنها بكل ضروب المقويات الضرورية لاستمرارها وبيان فاعليتها.

إذا كان الأمر على هذا النحو، فذلك لأن رؤية نمطية واحدة تميز سلوك وفكر وعمل القائمين على الجامعة، ومؤسساتها المختلفة والعاملين فيها، مثلما تميِّز سلوك وفكر وعمل القائمين على اتحادات وروابط الكتاب والأدباء العرب والمنتسبين إليها، هذا مع أن هذه الأخيرة لا ترتبط بأي صلة، رسمية أو غير رسمية، بالأولى.

وتلك هي الآفة!

فإذا كنا في حالة الجامعة العربية ومؤسساتها إزاء موظفين دبلوماسيين يأتمرون بأوامر دولهم، وهو أمر مفهوم وطبيعي، فمن المفترض أننا إزاء منظمات كتاب أو روابط أدباء تتمتع بالاستقلال الكامل عن سياسات بلدانها، ولا تخضع فيها إلا للقانون العام الناظم لمثيلاتها. لكن الأمر، كما هو واضح، ليس على هذا النحو؛ إذ في الوقت الذي اختارت فيه الجامعة العربية -مثلًا- أن يبقى كرسي سورية في مجلس الجامعة شاغرًا، يفضل الاتحاد العام للكتاب العرب أن يشغل كرسي سورية فيه اتحادٌ يمثل أفضل تمثيل أسوأ نظام سياسي عرفته سورية في تاريخها الحديث، وذلك بعد أن شهد العالم أجمع ــ باستثناء الاتحاد العام وأعضائه من الاتحادات العربية كما يبدو ــ ما فعله ولا يزال يفعله هذا النظام من قتل وتدمير وتهجير في سورية. اتحادٌ ساهم بصمته في ممارسات النظام الأسدي الذي اعتقل وشرد العديد من الكتاب السوريين، بل وقتل العديد منهم، من أمثال الروائي محمد رشيد رويلي، والروائي إبراهيم خريط (الذي تم قتله مع ولديْه)، والشاعر محمد وليد المصري. اتحاد يزعم رئيسه أنه المصدر الوحيد للمعلومات عما يجري في سورية، كما أعلن في الرد على استنكار قصف المدنيين بحلب. اتحادٌ يعلن دفاعه عن حرية الرأي والتعبير، ويتوقف عن دفع الراتب التقاعدي لكل عضو يمارس هذه الحرية، كما فعل مع المرحوم حسين العودات.

كما لو أن الاتحاد العام للكتاب العرب، وهو يستقبل ويحتفل باتحاد كتاب النظام الأسدي، يؤكد على غرار الحكومات الغربية والعديد من الحكومات العربية اعترافه بالنظام الأسدي، بعد أن تم إعادة تأهيله والتغاضي عن جرائمه!

هل يمكن لمثل هذا الموقف أن يكون -فعلًا- موقف كتاب أحرار؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق