أدب وفنون

سورية: كينونةُ شكٍّ في يقينٍ عدم

حين يكون البلدُ في شكًّ من وجودهِ، ومن ثم، يتحولُ إلى يقينٍ في عدمهِ، يكونُ كأي متاعٍ يمكن استبدالهُ.

سورية هذه المرميةُ كأيِّ أثاثٍ على رقعةٍ فضفاضة من خارطة الاسم الخُلّبي والجغرافيا الخُلبية بين مصاف الدول، هي هكذا، في ظلِّ الورثةِ المالكين لها لعقود طويلة، كانت وجودًا شكًّا، تحولت -حتمًا– حين فتح الوارثُ الأخيرُ أبوابها وأسوارها للغزاة، حُراسًا لقصرهِ، إلى عدمٍ في اليقين.

من منطقِ الكينونةِ إلى لا منطقها، يستعيدُ سليم بركات البلدَ في ديوانهِ “سوريا” إلى ما كانت عليه قبل ثورتها، وإلى ما صارت إليه حين تحولت ثورتها إلى ساحة صراعٍ للغزاة من كلِّ حدبٍّ وصوب.

لم تكن سورية البلدُ الذي يخاطبها سليم هكذا:

“يا لكَ إرثًا

من نِعمِ المُشكلِ

يا لكَ

أكيدًا كأخيكَ الشكِّ

أيُّها البلدُ.” ص16

لم يكن إلا بالونَ صبرٍ مُهيئًا للانفجار في أيّ لحظةٍ! هواؤهُ ألمٌ وخوفٌ، كبتٌ، إنكارٌ، عدمٌ، لشعبٍ يُعامَلُ معاملة الشيء.

كانت سورية بلد الآبدِ والخلود، المُتجليّين في قادته المعلقينَ بهُدب الفناءِ، لكن، اللابسينَ لَبوسَ الخلود في جعل البلدِ إرثًا عائليًا يورَثُ:

“أيُّها البلدُ، الريحُ خالدةٌ، الرمادُ خالدٌ، الأرواحُ التوابلُ في أطعمة الوارث الخالد..” ص36

لم تكن سورية سوى ” الكذبُ الدولةُ فائضًا عن لزومهِ” ص88. ولم يكن بلدٌ كهذا بحاجةٍ لوفاءٍ، ما دامَ بحسب مخاطبة سليم لهُ: ” “لم تهبنا الصفحَ عنكَ إنكَ لم تكن بلدًا إلاّ في النشيد المختنق، أيُّها البلدُ” ص111.

سليم في ديوانهِ، وبشكل متداخل، يَسردُ سيّرة الأحداث سابِقةً أو لاحقةً عن تواريخها؛ ليُجِمِّلَ ما كان عليه البلدُ”سوريا” وما صار عليه.

فحين انفجر “برميل” الصبر في دواخل الشعب المهدورةِ حياتهُ، هبَّ في وجه مُلّاكهِ من:

“الهولُ الحاكمِ وأبناؤهُ، وخولُهُ، والقربى الحاكمون”ص37.

كالصائم على فطوره والخائفِ من غدهِ:

“مجيءٌ لهفةٌ ومغادرةٌ خوفٌ” ص39

لكن الشعب المسكين لم يكن ليُدرِّك أنَّ دمهُ المسلوبِ؛ لبناء جيشٍ من “حُماة الوطن”، لن يكون سوى حارسًا للورثة بكلِّ السلاح المُشترى من عرقِ جبينه، إذ لم يكن وجودهُ وانتصاراتهُ وعهودهُ في بذل الدمِ، إلا نغمة الصوت المُخدِّرة، وما كان يُخفيه، أنَّه لا انتصار إلّا عليهِ ولا دمَ يُراق إلّا دمِ هذا الشعب المنكوب بِمُلّاك البلدِ وناهبِيه:

“جيشُ الخسائرِ منتصرةً، والنهبُ منتصرًا كأخيه الحريق.. جيشُ العودة من خنادقه الوهم إلى خنادق الأهل الدمِ ويـ يـ يـ لُ الجيشُ والعهدُ كلبةٌ، والميثاقُ نُباحٌ، أيُّها البلدُ” ص133.

ولم يكن يُدرك هذا الشعب المُشبعُ بالشعارات الرنانة بمجدٍ لم يكن أبدًا:

“إنكَ لا تقوى على الوقوف على قدميِّ مجدكَ الذي لم يكن ظهرًا، ولم يستثر خيالًا إلّا في زجل الأغاني.” ص61. أنَّ برميل صبرهِ، سيجترُ منهُ الحاكمُ براميل أخرى، تُصحح وتشرح ما معنى أن يُطالب المُحقُّ بحقٍّ سُلِب منهُ، هي، ليست إلّا براميل الموتِ للحجر قبل البشر، ومعهُ الحيوان والنبات مادامت لا ثِمار إلّا ثماره:

“البراميلُ الأنخابُ، الدُمجاناتُ. البراميلُ الشرحُ، والتوضيحُ، والتصحيحُ، الثمارُ الأخيرةُ، المُقدماتُ زلفى للأساطير البراميل ُالحقوقُ موثقةً رعدًا من أمم الرعد، أيُّها البلدُ” ص132.

ثارَ الشعبُ من أجل بلدٍ وأيُّ بلدٍ، بلدٍ مُهيأ للنحر، مهيأ للبيع، أو مباع -أصلًا- حين شُرِّعت أبواب حدودهِ أمام غُزاةٍ، اُستولدوا من رحم العدم، ليعدِموا الإنسانية بأشكالٍ مُنكرة من الموت والقتل؛ جزءٌ للثأر من التاريخ (حزبُ الله) وجزءٌ لإعادة التاريخ (داعش) وجزءٌ للبقاء على مُلكهِ، وجزءٌ منبعثٌ من نبع الارتزاق:

“هُم أولاء الأسلافُ أنصفتهم أواصرُ الدمِ، وأواصرُ القتلِ من سيئ الموتِ إلى أسوئهِ. سلامًا، إذًا، أيتها المغاورُ المُنتقمةَ.” ص93.

ولتتحول ثورةُ الشعب ويتحول نضالهُ إلى دوران حول الذات كمّا الدائرةَ:

“ناضل كالدائرةِ” ص61.

سليم يجعلُ من الغرب، الشريك الأكبر في الكارثة الكبرى لدمار البلدِ (سورية) عندما؛ من جهةٍ يجعلهُ مُتكئًا على قضية الطائفةِ في غزوه المستعادِ -لكن- بأهلِ الشرق أنفسهم:

“لم نحتسبْ للفرنجةِ الغزاة ثانيةً. مُلهِمون الفرنجة يحشدونَ من شرقِكَ الآن. غُزاةٌ شرقٌ في النِّعالِ الشرقِ نهوضًا إلى الغزوات بالمراقدِ الحِرابِ لتوحيد الفتكة دينًا.” ص97.

ومن جهةٍ أخرى، وبوصفه القائدَ الأعلى اقتصاديًا وسياسيًا للمجتمع الدولي، يعدُّهُ سليم الشريك الأكثر عُرّيًا وعارًا، بصمتهِ عن الإبادة الوجودية لهذا البلد، شعبًا وكينونةً ككلّ، حتى وإن كان الظاهرُ في إعلامهِ هو ما يُدغدغُ شارِعَهُ فحسب، ولا يمتُّ بصلةٍ إلى أخلاقيةٍ إنسانية:

“صمتٌ حُثالةٌ، ونطقٌ وغدٌ” ص111.

ممّا يجعلُ الحرّية التي نادى بها الشعبُ مولودةً، بكلِّ ما هو مكسورٌ فيها، من روحٍ ووسيلةٍ وغاية، حين تحوَّل هذا الشعبُ إلى رقمٍ من أرقام الموت أو متوسلًا نجاةً مُرًّا على أبواب اللجوء، أو انتحارًا في خلاصٍ، أيًا يكونُ هذا الخلاص، ما دامَ الكلُّ ضدهُ:

“الحريّةُ الأسنانُ المكسورةُ والأضلاعُ المكسورةُ، والأنفُ المكسورُ، الحريّةُ الخطأُ اللغويُّ، والنبرةُ الخطأُ في الغناءِ. الحريّةُ الشواءُ في الغُرفِ مُغلقةً، الحريّةُ القلقُ الصادقُ، والتمزيقُ الصادقُ، والوطءِ بقدمِ المجدِ على أشلاءِ الإنسانِ”. ص108-109.

وبالتالي، تتلاقى خيوطُ اللعبةِ في دمار هذا البلد من غربٍ وقصرٍ وحرسٍ وغُزاةٍ وأشقاء خُرسٍ، والكلُّ من الشعب ذائبٌ في بوتقةِ البقاء للغزاةِ والقصرِ الهاتكينِ حتى لقبرِ البلدِ:

“أنينٌ لا يُسبرُ غَورهُ. والنهاياتُ؟ هاكِها: بقايا قصرٍ، غُزاةٌ حرسٌ” ص149.

وعلى الرغمِ من كلِّ ما يدورُ في فلك هذا البلد (سورية) وخارجهُ، حيث لم يكن إلا امرأة حُبلى بمولودٍ سرطاني لا يتركُ في أمهِ البلدَ إلا رمادًا قد ينبعثُ، ويبقى البلدُ بالنسبة لسليم بلدهُ:

“يا لكَ

إرثًا من نِعم المُشكلِ،

أيُّها البلدُ.

بلدي أنتَ،

أيّها البلدُ” ص152.

 

الكتاب: سوريا

الكاتب: سليم بركات

المدى ط1 2015

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق