سورية الآن

الاتفاق الجديد حول سورية و«استراتيجية الخروج» الأميركية

يدرك الجميع، ولو فطريًا، أن ما تسميه دراسات التواصل ‍«لغة الجسد» غالبًا ما يكون أهم من الكلام في التعبير عن حقيقة المواقف. وينطبق الأمر نفسه بلا شك على تفاعل لغات الجسد في المسرحيات المتعاقبة التي تتألف منها الحياة اليومية. ولا تشذّ المناسبات السياسية عن تلك القاعدة، بل تبلغ فيها «لغة الجسد» ذروة أهميتها.

ومن هذا الباب، فإن تاريخ منطقتنا حافل بالمسرحيات التي تزيد فيها تلك اللغة عن الكلام بلاغةً، على غرار حفل توقيع «اتفاقية أوسلو» في واشنطن قبل 23 سنة، في 13 أيلول/سبتمبر 1993. يومذاك كانت «لغة الجسد» التي عبّر بها كل من ياسر عرفات وإسحاق رابين عن موقفيهما إزاء الحدث (افتخار الأول وازدراء الثاني) دليلًا ساطعًا على أن تلك الاتفاقية لن تشكّل سوى محطة جديدة في إحكام الطوق الصهيوني على الشعب الفلسطيني. وها نحن أمام اتفاق جديد في سلسلة اتفاقات «السلام» التي توفّر لتاريخنا المعاصر إيقاعًا مألوفًا، وهو اتفاق الهدنة المجدّد في سورية الذي أعلنه وزيرا الخارجية الأميركي والروسي في نيويورك بعد منتصف الليل، بحيث توجّب عليهما انتظار تغيير لوحة تأريخ الحدث من التاسع إلى العاشر من أيلول/ سبتمبر.

فبين ارتياح الوزير الروسي سيرغي لافروف وابتسامه وتكرّمه بإهداء الفودكا للصحافيين تعويضًا لهم عن طول الانتظار (مفترضًا أنهم جميعًا من هواة الخمر) وبين الريبة والحذر اللذين بديا في موقف الوزير الأميركي جون كيري، بل حتى في كلامه، كان معنى الاتفاق جليًا. وقد أكّده ما جاء من ترحيب بالاتفاق من طرف طهران وتوابعها، بما فيها النظام السوري، مقابل الخيبة والتحفظات التي عبّرت عنها أوساط المعارضة السورية. ولم يناقض الأمر ترحيب الحكومة التركية بالاتفاق، إذ أتى بعد أن انحنى رجب طيب اردوغان أمام نظيره الروسي فلاديمير بوتين وكافأه هذا الأخير بمنحه الضوء الأخضر لإدخال الجيش التركي إلى الأراضي السورية تصدّيًا لتقدّم القوات الكردية، وهو همّ أنقرة الأكبر في الساحة السورية.
وحقيقة الأمر أن الاتفاق الجديد محكوم عليه بالفشل كسابقه، حيث لا يرتبط بأي خطوات ملموسة تتعلّق بحلّ المشكلة الأساسية (مثلما خلت اتفاقية أوسلو عن البت في الأمور الأساسية بما حكم عليها بالفشل). ويقتصر الأمر في الواقع على موافقة واشنطن على مشاركة طيرانها للطيران الروسي بقصف «جبهة فتح الشام» (النصرة سابقًا)، وتوفيرها للـ «حليف» الروسي لتلك الغاية معلومات عن مواقع الجبهة المذكورة، مقابل امتناع طيران النظام السوري عن المساهمة في القصف المشترك. والكل يعلم أن المعارضة السورية لا تنظر إلى «جبهة فتح الشام – النصرة» كعدوّ رئيسي إذ أن قتال الجبهة الأساسي موجّه ضد النظام السوري، ناهيكم عن أنها لم تنفّذ عمليات إرهابية في الخارج، خلافًا لتنظيم داعش الذي وجّه قتاله الرئيسي في سورية ضد المعارضة السورية بعربها وكردها ودبّر أعمال قتل همجية في شتى البلدان.

وكما ظهر للعيان، فالتدخل العسكري الروسي المباشر الذي بدأ قبل عام، والذي رحّبت به واشنطن «ما دام موجّهًا ضد داعش»، إنما تجلّى بسرعة وبلا مفاجأة تدخّلًا لتدعيم النظام السوري عقب سلسلة الهزائم التي مُني بها حتى ذلك الحين. وقد تمّ الأمر بتركيز القصف الروسي على المعارضة السورية بحجة قصف «القاعدة – النصرة»، علمًا أن مواقع النصرة متداخلة مع مواقع بعض قوات المعارضة السورية بحكم قتالهما ضد قوات النظام السوري، عدّوهما الرئيسي المشترك.

هذا وقد كشفت الصحافة الأميركية أن سبب تأخير كيري لإعلان الاتفاق إلى ساعة متقدمة من الليل يعود إلى تحفظات قيادة القوات المسلحة الأميركية، ولا سيّما عدم ثقتها بـ «التحالف» مع موسكو وامتعاضها من فكرة تسليمها أي معلومات. والحال أن باراك أوباما قد فرض مشيئته في الملف السوري على خلاف مستمر مع قسم هام من إدارته والبنتاغون، وذلك منذ سنة 2012. أما فحوى الخلاف فكان في الأمس كما اليوم أن معارضي أوباما في الملف السوري يرون أن لا سبيل إلى تسوية سياسية في سورية ما لم يتم تدعيم المعارضة بما يخلق ميزان قوى على الأرض يجبر النظام ومن يرعاه على إبرام مساومة حقيقية.

أما في غياب ذلك، فلن تعدو الاتفاقات كافة عن كونها هدنات قصيرة في أحسن الأحوال. وقد يعتقد كيري أن العجائب في متناوله وهو الذي يؤمن بأن كافة المشاكل يمكن حلّها بمجرّد جمع فرقائها في غرفة واحدة، كما كتب عنه متهكّمًا أحد كتّاب صحيفة «فايننشال تايمز».

غير أن ذكاء باراك أوباما لا يترك مجالًا للشك في أنه يدرك حقيقة الأمر. وقد قال عنه خبير الشؤون العسكرية الأميركي أنطوني كوردسمان بحق أن همّه في سورية بات إيجاد «استراتيجية خروج» (exit strategy)،  لكن ليس للخروج من الأزمة السورية التي كان له دور حاسم في مفاقمتها، بل للخروج من منصب الرئاسة!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق