كلمة جيرون

“بينوكيو” وإسرائيل

ليست خارجة عن المألوف الغارة الجوية التي شنها سلاح الجو الإسرائيلي، أمس (الثلاثاء)، على مواقع عسكرية في الأراضي السورية، ففي السنوات الأخيرة قلّما مرّ شهر دون حدوث مثلها، لكن الخارج عن المألوف أن يدّعي النظام -هذه المرة- أنه أسقط طائرة إسرائيلية، بينما كان في السابق يكتفي بالتهديد بأنه “سيرد في الزمان والمكان المناسبين”، ذلك الزمان الذي لم يأت أبدًا.

بطبيعة الحال، لم يُصدّق السوريون ما ادّعاه النظام السوري، معارضة وموالاة، على الرغم من أنهم تمنّوا أن يكون صحيحًا، وانتظروا أن يفقأ النظام أعينهم ويُثبت صدقه، وأن يكون بالفعل قد أسقط طائرة للعدو، وهو ما لم -ولن- يحصل.

شَمِتَ السوريون بالنظام، وضحكوا من كذبته، لكنّهم تألموا في الوقت نفسه؛ لأن هذا النظام دمّر الجيش الذي كان من الممكن أن يُسقِط بالفعل طائرة إسرائيلية، واستعمل ترسانته الصاروخية لـ “ردع” السوريين، بدلًا من “ردع” الإسرائيليين، ولأن هذا النظام عقد حلفًا “مقدّسًا” مع العدو، مقابل إعلانه حربًا “مقدّسة” على الشعب.

لم يسبق أن ردّ النظام السوري على الانتهاكات الإسرائيلية، ولا حتى بعملية عسكرية شكلية تحفظ ماء وجهه، ولم تتجاوز تهديداته لإسرائيل سقف “العنتريات” اللفظية، كما واجه حليفه الإيراني وتابعه “حزب الله” هذه الانتهاكات بالصمت، وفي المقابل، لم تستهدف أي من الضربات الإسرائيلية النظام السوري وبنيته، ولم تهدف لإسقاطه أو لدعم المعارضة التي تريد إسقاطه.

لا يمكن وصف الأوضاع بين الجانبين بالمتدهورة، فالواقع يُشير إلى أن العلاقة بين النظام السوري وإسرائيل كانت خلال العقود الأربعة الأخيرة في أحسن حالاتها، فلم تُطلق رصاصة واحدة باتجاه إسرائيل، وكانت الحدود بين الدولتين من أكثر الجبهات استقرارًا وهدوءًا.

ومع انطلاق الثورة، طلب وزير الدفاع الإسرائيلي، إيهود باراك، من واشنطن أن تُخفف الضغط على الأسد؛ خوفًا من البديل، وقال رئيس الهيئة الأمنية بوزارة الدفاع الإسرائيلية، عاموس جلعاد: إن سقوط الأسد سيترتب عليه “كارثة” تقضي على إسرائيل، ووصفت صحيفة (هآرتس) الأسد بأنه “ملك إسرائيل”.

هكذا ترى إسرائيل النظام السوري، نظام “الصمود والتصدي”، وحامي “المقاومة والمقاومين”، الذي كذب على السوريين، وقال: إنه سيؤجل “مشروعاته الإصلاحية”؛ لأن الأولوية الآن لـ “مقاومة المشروع الإسرائيلي والصهيوني”، وكذب وقال: إن سورية “ستبقى شوكة في عنق إسرائيل”، وكذب وقال: إن تحالفه مع إيران “هدفه دعم المقاومة”.

لا يوجد معارض سوري يثق بالنظام، وفي الغالب، ليس هناك مؤيد يثق به أيضًا، وقد يكابرون، لكنّهم يعرفون حقيقة نظامهم، فحتى الأطفال باتوا يتندرون بطول أنفه.

صار النظام السوري كـ “الراعي الكذاب”، لا يوثق بقول له أو ادّعاء، فخلال السنوات الخمس الأخيرة، أو بالأدق، خلال العقود الخمسة الأخيرة، برع في الكذب والخداع ونكث الوعود، والأمثلة تكاد لا تُحصى عن كذبه، على الشعب، وعلى العرب، وعلى المجتمع الدولي، بل وحتى على نفسه، والأمثلة لا تُحصى أيضًا عن كذب إعلامه وخداعه وتشويهه للحقائق، وكذب أجهزته الأمنية وإجرامها، وكذب أباطرة ماله وصفاقتهم وفسادهم، وكذب حكوماته المتعاقبة وخلّبية وعودهم، وكذب مستشاريه وكبار مساعديه وطائفيتهم، بل وحتى كذب حلفائه، الذين انتقاهم على ما يبدو وفق هذا المعيار.

بالمطلق، لم تكن “مصالحة” إسرائيل هدفًا من أهداف الثورة السورية، كما لم يكن من أهدافها تدمير الجيش السوري، ولا تدمير القدرات الاستراتيجية للدولة السورية، بما فيها الترسانة الكيماوية التي اعتقد الشعب -واهمُا- أنها بُنيت؛ لتحقق التوازن وردع العدو، ولم تنس كل برامج المعارضة السورية الجولان المُغتصب، وحق السوريين في استرجاعها، وأكّدت على ضرورة تحرير كل شبر سرقته إسرائيل واحتلته واستوطنته.

وحده النظام السوري من استخفّ بالأمن الوطني، والقومي، ودمّر الجيش، وطيّف قادته، وورطه في حرب ليست له، ودمّر سورية واستخدم أسلحة “توازن الرعب” لإرعاب شعبه، وجعل البلد مستباحة من إسرائيل وإيران وروسيا ومرتزقتهم، وفتح الباب للتنظيمات الإرهابية الدولية وللميليشيات الطائفية المريضة، ونسي إسرائيل، كما نسي الجولان وطبريا ومجدل شمس وفيق وكفر حارب والحمّة وبقعاثا وجباتا الزيت وخسفين، وغيرها العشرات من القرى والبلدات السورية، ووحده من جعل السيادة الوطنية هباءً منثورًا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق