مقالات الرأي

الاتفاق الأميركي – الروسي وموقف المعارضة

من الصعب التكهّن بمآل الاتفاق الأميركي – الروسي، نجاحه أو فشله، والذي تمحور حول ثلاث قضايا: وقف الأعمال القتالية، بما فيها القصف الجوي، وإدخال المساعدات الغذائية إلى المناطق المحاصرة، ومحاربة الإرهاب، ولا سيما على ضوء التجارب السابقة التي بيّنت صعوبة صمود أي اتفاق.

الآن، وبغض النظر عما تقدّم، فإن معطيات الاتفاق الجاري تنفيذه، تكشف عن حقائق عدة: الأولى، أن الولايات المتحدة وروسيا هما من يقرّر الأوضاع على الأرض؛ ما يفيد -أيضًا- بأن الحسم باتجاه ديمومة الصراع، أو باتجاه وضع حد له، بهذا الشكل أو ذاك، بات بيد الخارج، والثانية، وتبعًا للأولى، فهي تفيد بأن الطرفين المتصارعين، النظام والمعارضة، لا يملكان سوى الخضوع للإملاءات الخارجية؛ لتعذر إمكان تغلّب أحدهما على الأخر، ولعل ذلك يُفسِّر قبول المعارضة السورية، التحوّل من حيّز إسقاط النظام، إلى حيّز القبول برحيل الأسد وحسب، مع المقربين منه “الملطخة أيديهم بالدماء”، وهذا تحوُّل نوعي مهم، والثالثة، تعني أن ثمة انزياحًا واضحًا في التعاطي مع القضية السورية، من كونها قضية سياسية، وتتعلق بتحقيق مطالب السوريين بالحرية والكرامة والديمقراطية، إلى كونها قضية إنسانية، وقضية مكافحة إرهاب؛ وهاتان القضيتان هما ما يهم الأطراف الخارجية أكثر بكثير من القضية الداخلية، والرابعة، تفيد بأن الثورة السورية دخلت في مرحلة استعصاء، فلا هي قادرة على الاستمرار بوصفها ثورة، ولا هي قادرة على التوقّف، وكأنها استنفذت أغراضها، وهذا الوضع الإشكالي، مع التصارع المسلح، هو الذي يفتح المجال أمام تغير أهداف الثورة، وقبول المعارضة بإقامة سلطة حكم انتقالي، بالشراكة مع أطراف من النظام؛ كما ورد في رؤيتها لمرحلة الحل الانتقالي (التي قدمتها الهيئة التفاوضية العليا في اجتماع لندن أخيرًا)، بوصف ذلك مخرجًا للمعارضة، وتجاوزًا لحال الاستعصاء.

هكذا، فإن نجاح هذا الاتفاق، كليًا أو جزئيًا، سيعتمد على مدى حسم الإدارة الأميركية لموقفها، وتاليًا على أوراق الضغط التي ستعتمدها؛ لإلزام روسيا والنظام بالاتفاق، خاصة ما يتعلق منه بوقف القصف الجوي الهمجي على المدن السورية، ومن البديهي أن ذلك سيعتمد -أيضًا- على السياسة التي ستنتهجها روسيا، ومدى تخوّفها من تفاقم الوضع وانعكاساته السلبية عليها، من الجوانب المختلفة، وتاليًا، حسمها الضغط على النظام، وحليفته إيران وميلشياتها، لفرض وقف القصف والقتال، إذ من الواضح -هنا- أن هذا المحور (الروسي -الإيراني – النظام)، هو الذي يملك القدرة على القصف من الجو والبر، وهو الذي يملك كثافة النيران؛ وتاليًا القدرة على القتل والتدمير.

المغزى من كل ذلك القول، أنه، وبغض النظر عن النواقص والإجحاف والالتباسات المتضمنة في الاتفاق المذكور، فإن ما يجدر إدراكه أو الانتباه إليه هنا، أن المقارنة تجري بين أحد خيارين: بين استمرار الوضع الحالي من القصف والقتل والتدمير والتشريد، أو القبول بوقف القتال والهدنة؛ ويستنتج من ذلك على ضوء ما يحصل، بأن الخيار الثاني هو الأقرب لمصالح السوريين، وتخفيف عذاباتهم، والأقرب لصالح المعارضة، التي يُفترض أن يغدو ضمن مسؤوليتها البناء على هذا الموقف والاستثمار فيه، أولًا، لجهة مراجعة مسارها، وإعادة ترتيب بناها، وتوضيح خطاباتها، وثانيًا؛ لتمكين السوريين من التقاط الأنفاس والتخفيف من عذاباتهم، وضمنه وقف موجات التدمير والقتل والحصار والتشريد والتهجير الديمغرافي، وثالثًا؛ لتحقيق نقلة نحو المفاوضات، بالتعويض عن ضعف الإمكانات الذاتية، بقوة إسناد الدول الصديقة لموقف المعارضة، ولو كان ذلك بالمعنى النسبي.

طبعًا، ونحن نتحدث عن ذلك، نأخذ في الحسبان -أيضًا- ضعف المعارضة، أي: عدم قدرتها على فرض ما تريد، مع تشرذم كياناتها، ولا سيما العسكرية منها، وارتهانها -في إمكاناتها- لهذه الدولة أو تلك، وضعف الإسناد السياسي والعسكري لها، في مقابل الدعم اللامحدود الذي يتلقاه النظام من حليفيه: الروسي والإيراني.

ما يُفترض إدراكه، في هذا الإطار أيضًا، أن ما يفاقم تعقيدات المسألة السورية، إضافة إلى الافتقار إلى الإرادة الدولية والإقليمية، بشأن فرض الحل السياسي الملائم، أن انفجار الوضع السوري، طال المجتمع والجغرافيا والديموغرافيا، وأن الشعب بات خارج معادلات القوة والشرعية، كما يفاقم منها الغياب التاريخي للسياسة، حيث النظام وحلفاؤه من جهة، والمعارضة وحلفاؤها من جهة أخرى، يجد كل منهما نفسه إزاء الآخر في معركة مصيرية على الوجود.

هكذا لم يعد خافيًا على أحد أن ثورة السوريين تعاني كثيرًا، من جراء الافتقار إلى القيادة وإلى الإجماع الوطني، والضعف الناجم عن تصدّع البنى المجتمعية، وعن التقتيل والتدمير في الجسم السوري؛ ما يجعل من مسؤوليتها الملحة البحث عن أي فرصة لوقف هذه المسارات الكارثية.

قد لا يرضي هذا الكلام بعض المعارضة، التي تعيش على التوهم والرغبات، بعيدًا عن الواقع، والتي لا تنتبه إلى موازين القوى، والمعطيات العربية والدولية، وللحال المأسوية التي وصل إليها السوريون. ولعل ما ينبغي أن يدركه هؤلاء أن استنقاع الوضع السوري ليس في مصلحة الثورة ولا شعبها، وأن رفض أي تسوية، أو أي محاولة لوقف القتال يساهم في إطالة عمر النظام، وإطالة أمد معاناة السوريين، ويعزل المعارضة، ولا سيما أنها لا تستطيع إسقاط النظام بقواها الذاتية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق