قضايا المجتمع

سورية مرحلة انتقالية كيف وإلى أين

(1)

لعل الصراع الدائر في سورية، وعليها، أدخل المتصارعين في أتون معارك لم تكن في حسبانهم، وأدى فيما أدى إليه: (1) على الصعيد الدولي، أدى إلى إسقاط تحالفات وأحلاف دولية تاريخية، والعودة إلى القطبية الثنائية (روسيا – أميركا)، (2) وأدى على الصعيد الإقليمي، إلى تظهير الصراعات والتحالفات المكتومة (إيران – “إسرائيل” – تركيا)، (3) وأدى على الصعيد العربي، إلى صدّ رياح الربيع العربي، فتنفس أصحاب الجلالة والفخامة والسمو بين المحيط والخليج الصعداء، أكثر من ذلك، تم استبدال الطغاة الذين اقتلعتهم رياح الربيع العربي الأولى بطغاة “مودرن”، أمرّ وأدهى، (من السيسي إلى السبسي إلى إعادة ترميم علي عبد الله صالح)، (4) وأدى على الصعيد السوري الداخلي، إلى تهميش دور المواطنين المتنورين النهضويين الذين ينشدون الحرية والعدالة والمساواة والمواطنة الحقة، وطفت على السطح عصبويات لا تحمل صفات وملامح الشعب الحضاري الأصيل في سورية، ولا تشبهه، بل هي امتداد شائه لأجندات تلك القوى الخارجية من (1 إلى 3) مرتهنة لها، وتستحضر لذلك توحش صراعات الأزمنة الغابرة، وتجعر بالثأر، لكن ليس من الذين يحتلون الوطن، وينتهكون حرمة أرضه وناسه وسمائه ومياهه وسيادته، وإنما الثأر من كل صوت وطني حر، ينادي بالتحرر والحرية والعدالة، ومواجهة أجندات التخريب والفساد والهيمنة والأجرام داخليًا وخارجيًا، ويمعنون بتدمير النسيج الاجتماعي والوطني في سورية، بالتوازي مع تدمير العمران والتوحش في القتل والتهجير وتكميم الأفواه والخطف، وتعميم سياسة الخوف والاستلاب والحصار المادي والمعنوي، بإغلاق كافة الطرق إلى الحرية، ووضع المجتمع أمام خيارات كلها سلبية ومرفوضة.

(2)

في ظل هذه الأوضاع المأسوية، وفي ظل هذا الإصرار السفيه على تغييب إرادة الصوت الوطني في سورية، ترتفع أصوات تلك القوى الباغية دوليًا وإقليميًا للحديث عما يسمونه مرحلة انتقالية في سورية، الانتقال من مرحلة استنزفوها وجف ضرعها، إلى مرحلة يحدّثون أدواتها لتؤدي ذات الدور التخريبي من جهة، ولإجهاض المرحلة الانتقالية إلى التحرر والحرية من جهة أخرى، ولذر الرماد في العيون، توظف تلك القوى الباغية طواقم محلية أنيقة أو متأنقة استهوتها جولات السياحة السياسية، بعيدًا عن مآسي الوطن وحرائقه، لتقديم مشروعات عن برامج ومخططات لتلك المرحلة الانتقالية، وتم إيهام كل فريق مدني، أو عسكري، أو سياسي، أنه هو المعني برسم ملامح تلك المرحلة الانتقالية، وللأمانة، فإن منهم وطنيون ومناضلون رهنوا حيواتهم بانتظار تلك اللحظة الفارقة للانتقال إلى دولة الحرية، لكنهم لم يدركوا إلا متأخرين أن تلك القوى الباغية كانت تلعب بهم، وهكذا بدأت المشروعات لرسم ملامح تلك المرحلة الانتقالية تتدفق وتتناقض، وتثير خلافات وصراعات حادة، ثم ليكتشف الجميع -في نهاية الأمر- أن كل ذلك كان ملهاة في الوقت الضائع؛ للتغطية على عمليات تدمير عمران سورية التاريخي، وتهجير شعبها، والإمعان في عمليات القتل والنهب والإجرام، وهكذا بدأت القضية تتدحرج: فمن “الثورة السورية” إلى “الأزمة السورية”، ومن مؤتمرات وتحالفات ومؤسسات سورية، يتم تسليم الأوراق إلى مؤتمرات ما يسمونه “أصدقاء سورية”، يكون فيها السوريون أصحاب القضية مجرد ضيوف، ثم، من مرحلة انتقالية إلى مرحلة مفاوضات هزلية، إلى جلسات جنيف وفيينا، وصولًا إلى اختزال القضية كلها بنجومية “لافروف – كيري”، أو “توم ـ وجيري” كما يشبههما الشعب في سورية، في ظل اجتماعاتهما الماراتونية التي لم يشهد التاريخ مثيلًا لها، وما ترتب على ذلك من تهميش دور الأمم المتحدة والأوروبيين وغير الأوروبيين؛ ليصبح “ديمستورا” مجرد سكرتير عند “كيري – لافروف” ينتظر التعليمات مع ما يكشف ذلك من عورة تلك المنظمة الدولية التي يسمونها هيئة الأمم المتحدة، بجمعيتها العامة ومجلس أمنها ومندوبها مع كل ما يمثلون. هكذا تم تلزيم، القضية السورية، الثورة السورية، الأزمة السورية إلى (الولايات المتحدة وروسيا) وبات العالم كله ومنظماته الدولية مجرد كومبارس، وبالتبعية خرجت القضية تمامًا من يد السوريين، كل السوريين، بحيث لا يعرف سوري واحد، أيًا كان، حول ماذا تدور المحادثات بين كيري ولافروف؟ وما هي المخططات؟ وعلى ماذا يتفقان؟ وعلى ماذا يختلفان؟ وما على السوريين إلا الدعاء “لكيربوف” بالاتفاق عل ذلك، يوقف حمام الدم والتدمير لديارهم. لكن إذا كان هذا ما تسعى إليه تلك القوى الباغية، فسيخيب أملها؛ لأنها على الرغم من جبروت أسلحة التدمير التي تملكها لم تخبر بعد صلابة هذا الشعب العظيم في سورية، الذي سيكون العين التي تقاوم المخرز.

(3)

تلك هي مأساة الشعب في سورية، مأساة لم يشهد التاريخ الإنساني مثيلًا لها، حيث الذين يتصارعون على أرضه ويستبيحون دمائه هم، بالضبط هم، من يتآمر لتقرير مصيره، واستباحة مستقبله، وهم من سيحدد طريقة الانتقال إلى هذا المصير والمستقبل، ثم، وهذا هو الأهم، لا يعرف أحد، هل يخططون لانتقال سورية إلى كانتونات طائفية وعنصرية؟ أو إلى كونفدراليات كمقدمة لذلك؟ أو إلى تلفيق شكل كاريكاتوري من أنظمة الحكم تخدم مصالحهم؟ هل سيقيمون على أنقاض “دولة سورية” شرق أوسط جديد، أو شرق أوسط كبير، لا أحد من السوريين على الإطلاق يملك إجابة حاسمة عن أي من تلك الأسئلة، والسوريون الآن شديدي الشبه بأجدادهم منذ قرن من الزمان، عندما كانوا منخرطين في “الثورة العربية” لإقامة دولتهم العربية الواحدة، بينما كان “سايكس وبيكو” منهمكين حتى في تجزئة أجزاء الأجزاء، وهكذا يتم الانتقال من عصر “سايكس – بيكو”، إلى عصر “لافروف – كيري”، لكن هذا الشعب العظيم لن يسمح بتكرار تلك المهزلة المأسوية من جديد.

إن هذا لا يعني على الإطلاق أننا غير معنيون بالمرحلة الانتقالية في سورية؟ على العكس تمامًا من ذلك، لقد أوردت كل ما تقدم للوصول إلى نتيجة محددة وحاسمة، هي أن الشعب في سورية وحده، وحصريًا، هو المعني برسم الملامح والأسس الدستورية والقانونية لتلك المرحلة الانتقالية، وأنه لم، ولن يفوض أحد ليشارك باسمه في مرحلة انتقالية، يضعها غرباء عنه، يعرف أطماعهم وخبثهم وغدرهم، ويعرف كيف يدسون السم في الدسم، وبالتالي، عليه مواجهتهم، وليس الانسياق في مخططاتهم، وهنا تثور أسئلة كبيرة، ومشروعة: أين هو هذا الشعب الذي تتحدث عنه؟ وماذا يملك من أدوات وأسلحة؛ ليقرر هو مرحلة انتقالية، ويحدد هو ملامحها وأسسها الدستورية والقانونية؟ ثم، وقبل ذلك، وبعده، كيف يمكن رتق هذا النسيج الاجتماعي والوطني الذي تم تشويهه اثنيًا وطائفيًا ومذهبيًا؟ وكيف يمكن لملمة الجراح، وطرد كل تلك الغربان الغريبة التي تنخر في الأرض فتنة وفسادًا وتلوث الأجواء والبحار؟ لذلك، وهذا ما أواجه به دائمًا، يقولون: إذا كان هذا الشعب مُهمّشًا، ولا حول له ولا قوة، دعنا نسّلم الأمر لمن بيدهم القوة والجبروت في هذا العالم، علهّم يعملون على إيقاف حمام الدم الذي لم يعد يُحتمل، ولنسلم لهم بمصالحهم ثم لكل حادث حديث؟ ثم يضيفون: أليس هذا أجدى واقعيًا من هذا الحديث الطوباوي الذي تكرره على مسامعنا عن الشعب والإرادة والقرار الوطني والسيادة؟ ألا ترى حالة الحصار الشامل والدمار الشامل التي يتعرض لها هذا الشعب؟ هو بالكاد يستطيع تضميد جراحه، هو بالكاد يتمكن من دفن شهدائه، هو بالكاد يسد رمقه، وأنت على الرغم من ذلك تعّول عليه في مواجهة كل القوى الدولية والإقليمية العاتية المدججة بأسلحة قادرة على تدمير هذا العالم برمته عشرات المرات؟ أجيب بكل ثقة: نعم. وسيعرف كيف ينتصر، هذا قدره تاريخيًا، وسيعرف كيف يرسم ملامح مرحلة انتقالية، لكن ليس إلى ما يريدون، ولكن إلى ما يريد هو، وسيكون العالم عندها غير هذا العالم، هذا قدره! سينتقل الشعب السوري، لكن إلى حيث يريد هو، وليس إلى حيث يريدون.

(4)

نعم. كل الأسئلة السابقة مشروعة، لكن بشرط أن يتم طرحها في إطار البحث عن إجابات وافية موضوعيًا عليها، وليس في إطار التعجيز والتيئيس بأنه لا جدوى من مواجهة تلك القوى العاتية لتبرير الانسياق في مخططات الهيمنة والاستلاب، وهنا لا بد من الإجابة على السؤال: هل يمكن للشعب في سورية أن يرسم طريقه الوطني، ويشقه في وطن تحول إلى حقول ألغام جغرافيًا ومجتمعيًا؟ أقول بكل ثقة: نعم. على الرغم من أنني لا أختلف مع أحد في توصيف مأسوية الواقع الموضوعي الراهن، وهنا يثور سؤال مشروع آخر: ما المرتكزات في الواقع التي بنيت عليها هذا الجواب؟ أقول، وباختصار شديد: إن أحداث السنوات الخمس المنصرمة، على الرغم من المشاهد المأسوية التي لا يحتملها بشر، قد أدت إلى عملية فرز بالغة الدقة، وأدت إلى أن كل هذا الزبد، المسموم، المكتوم على مدى عقود طفى على السطح، وبانت نتائجه الكارثية، فقد تم استهلاك كافة المسالك الطائفية والاثنية والمذهبية، وتم كشف المستور عن الإيديولوجيات التي كانت مجرد قشرة هشة، تتلطى خلفها تلك المسالك الفتنوية، وأثبت الشعب السوري -في غالبيته العظمى- أنه لن ينساق في تلك المسالك القذرة، لكن تكشفت الأحداث -في الوقت ذاته- عن مشكلة بالغة التعقيد، تمثلت في غياب المؤسسات السياسية والاجتماعية التي تعبر من خلالها تلك الأغلبية الشعبية الأصيلة عن مواقفها، وبما أن الجماعات الفتنوية من كافة فئات المجتمع، وجدت من يستثمر فيها تمويلًا وتسليحًا ظهرت على السطح، وبدت غالبية الشعب السوري وكأنها لا حول لها ولا قوة، هنا تكمن المشكلة، ومن حلها يبدأ الحل. وهكذا يكون السؤال الحاسم من أين تبدأ هذه الأغلبية التي يطلقون عليها الأغلبية الصامتة، أو المهمشة، شق طريقها لبناء مؤسسات سياسية ومجتمعية تكون الحامل لمشروعها عن المرحلة الانتقالية، وما بعدها؟

(5)

في هذا الإطار، وفي هذا الإطار حصرًا، نضع هذا الحديث عن المرحلة الانتقالية في سورية، فنحن لا نتحدث عن مرحلة انتقالية تعمل عليها قوى الهيمنة الخارجية، ولسنا معنيين بمرحلة انتقالية لا نعرف غايتها، فالشعب في سورية سيعرف كيف يقلع شوكه بيديه، وهو لن يسمح بالانتقال إلى شرق أوسط كبير، ولا إلى شرق أوسط جديد، وإنما سيكون رافعة لحركة تحرر إنسانية تشمل الوطن العربي، وتتعداه لصياغة نظام عالمي جديد، على أنقاض هذا النظام العالمي العنصري، الذي يضع مصير شعوب العالم تحت سلطة قوى الاحتكار والنهب والسطو على ثروات الشعوب، وبالتالي، فإن المرحلة الانتقالية التي نتحدث عنها ستكون ذات ملامح خاصة من الناحية الدستورية والقانونية، وإذا كان بعضهم قد توسع في دراسة المراحل الانتقالية التي مرت بها شعوب معاصرة، من جنوب إفريقيا إلى تشيلي إلى البوسنة والمغرب والبيرو والأرجنتين وبوروندي، فإن تلك التجارب -على أهميتها- لا تقدم حلًا وافيًا لمشكلات وحاجات المرحلة الانتقالية في سورية، ذلك أن تلك التجارب نشأت على أثر عمليات انتقال من مرحلة انقضت إلى مرحلة جديدة، دون تهديد خارجي للكيان الوطني جغرافيًا ومجتمعيًا؛ وبالتالي، انصب اهتمام تلك التجارب على المصالحة والمساءلة والمحاسبة والتسامح، وكانت الميزة لتلك التجارب أن الانتقال كان حاسمًا، لصالح إرادة تلك الشعوب التي وضعت -بكامل حريتها- الملامح الدستورية والقانونية لتلك المراحل الانتقالية، أما هنا في سورية، فتبدو الأمور متداخلة إلى درجة كبيرة، فهناك قوى عاتية، دوليًا وإقليميًا، بات لها امتدادات سرطانية في الداخل السوري، تخطط وتعمل وتروّج لمراحل انتقالية، إلى أوضاع أكثر سوءًا ومأسوية؛ وبالتالي، على الشعب في سورية أن يناضل على أصعدة مختلفة؛ حتى يشق طريقه إلى مرحلة انتقالية له، وبأجندته هو، ولغائية هو يحددها، وهذا يرتب عليه مواجهة ما يخطط له من مراحل انتقالية، بأجندات مشبوهة، تنقلب عليه وبالًا ومآسيَ من جديد، فمن أين يبدأ إذن؟ وما الملامح الدستورية والقانونية لمرحلته الانتقالية التي يقرر هو منطلقاتها ومآلها؟ هذا حديث آخر، (وللحديث صلة).

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق