تحقيقات وتقارير سياسية

جنوب دمشق والاحتمالات المفتوحة

يظل جنوب دمشق الخاصرة الأضعف في محيط العاصمة، ليس بفعل الحصار الطويل، وما نجم عنه من انعكاسات كارثية على مختلف الصعد فحسب، وإنما -أيضًا- لطبيعة أحيائه ومناطقة التي ترزح تحت وطأة خلافات فصائلية، أدت إلى إضعاف المكونات الثورية، بشقيها: العسكري والمدني، إضافةً إلى ما يُمكن أن يفرضه تهجير داريا من احتمالات مفتوحة، خاصة أن داريا شكلت -على مدى سنوات- سدًا منيعًا في وجه خطط النظام وحلفائه ضد المناطق الخارجة عن سيطرته في دمشق ومحيطها؛ حيث يؤكد ناشطو المنطقة أن الخوف من مصير مشابه لما حدث في داريا أصبح واحدًا من أكثر القضايا المؤرقة لأهالي جنوب دمشق، ولا سيما أن هذه المنطقة معزولة تمامًا عن غيرها من المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، ولا يوجد في داخلها مشروع واحد، يجتمع حوله معظم المكونات والتشكيلات الفاعلة في الجنوب الدمشقي.

السيناريوهات المُحتملة

منذ فترة ليست بالقليلة اتسعت دائرة النقاش بين الناشطين في أحياء وبلدات جنوب العاصمة، عما يمكن أن يواجه مناطقهم من احتمالات، ولا سيما أن المعارك في سورية نقلت تلك المناطق من حيزها الجغرافي والبشري البسيط إلى مسار تسويات كبرى على مستوى المنطقة، وتظهر العديد من ملامحها من خلال ما يحدث في محيط العاصمة المحرر والمحاصر برمته، وهنا قال الناشط وليد الآغا لـ (جيرون): “لا يمكن التكهن بأي احتمال؛ فجميع الخيارات ممكنة، خاصةً مع استمرار ركود جبهات درعا والقنيطرة، إذا استمر الحال على ما هو عليه، فالعرض الذي قُدم إلى المعضمية والوعر أظنه سيعمم على مناطق ريف دمشق وحمص الأخرى، ولكن -أيضًا- لا أعتقد أنه سيتم بسرعة وسهولة، الأمر يحتاج إلى وقت طويل، ولا بد من أن النظام سيستغل تأثير اتفاق داريا على بقية مناطق ريف دمشق، ميدانيًا ونفسيًا؛ لذلك بدأ بالمعضمية، أقرب المناطق إلى داريا، والأكثر تأثرًا، وبالوعر؛ لأنها الجبهة الوحيدة الباقية في حمص”.

بدوره، أكد عاطف أبو الخير، قاضٍ سابق، ومدير السجل المدني في جنوب دمشق حاليًا، أنه من الصعوبة بمكان التكهن بسيناريو مآلات الأمور داخل أحياء وبلدات جنوب العاصمة؛ لأسباب عديدة، فقال لـ (جيرون): “ما حدث في داريا يأتي في صلب خطط النظام؛ لتفريغ الجيوب المعارضة والثائرة من محيط العاصمة، والتي من الممكن أن تزعزع أمن دمشق معقله الرئيس، إلا أن لجنوب دمشق خصوصية ترتبط بنقطتين أساسيتين: الأولى موضوع المصالحة، وهذه لها حساباتها ومحدداتها، والثانية هي ملف (داعش)، وهذه لها شقان: الأول أن هذا التنظيم (هو صنيعة النظام لتمرير مخططاته وتنفيذ مشروعاته)، وهذا ما حصل حيث استنزفت المعارك مع التنظيم ذخيرة وكوادر فصائل وكتائب الثوار، وكذلك أدت هذه المعارك إلى تفتيت النسيج الاجتماعي والمنظومة القيمية في المنطقة؛ إذ أصبح النظام هو العدو الثالث ربما، والشق الثاني هي مصلحة التنظيم ذاته، والتي لا ترتبط -في بعض الأحيان- مع مصالح النظام، وربما تتنافر معها، ولا سيما في ما يتعلق بالأموال وأماكن وجوده وتوقيت رحيله”، موضحًا: “من هذا الواقع يمكن القول أن مسألة ترحيل الجنوب الدمشقي الذي يضم عشرات الألوف من المدنيين باعتقادي تبدو غير منطقية، إضافةً إلى التوازنات القائمة بناءً على الخارطة العسكرية للمنطقة، المقسومة بين مناطق يسيطر عليها (داعش)، وأخرى تخضع لسيطرة الثوار، ومحكومة بمحددات المصالحة؛ ما يعني أن النظام لن يقبل بإخراج قسم وإبقاء الآخر، بل يريد إخراج الجميع؛ ولذلك، يبدو الأرجح حدوث تغيرات في جنوب دمشق، ولكن ليس بحجم ما حصل في داريا”

مشروع الضاحية الجنوبية حاضر بقوة

كثيرًا ما تم تداول مشروع الضاحية الجنوبية في وسائل الإعلام، في محاولةٍ لتسليط الضوء على محاولات طهران وميليشياتها في استنساخ المشروع اللبناني في محيط العاصمة دمشق، انطلاقًا من أحيائها الجنوبية، الأمر الذي يؤكده ناشطو المنطقة، مشيرين إلى أن ملامح هذا المشروع بدأت منذ العام 2013، عندما استعادت قوات النظام والميليشيات المتحالفة معها عددًا من المناطق الخارجة عن سيطرتها، في جنوب العاصمة، وفي هذا السياق قال أبو الخير: “هناك مساعٍ واضحة لجعل مناطق جنوب الأحياء والبلدات الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة، جنوب دمشق، نقاط ارتكاز للميليشيات الشيعية المتحالفة مع النظام، ولكن هل هذا يدخل ضمن إطار خطة يسعى من خلالها الأسد لاستنساخ تجربة الضاحية الجنوبية في بيروت؟ لا أعتقد ذلك، ربما طهران لديها هذا الطموح، وهناك كثير من الدلائل على عدم نية أو قبول النظام لمثل هذا المشروع، منها مثلًا ما تنقله لجان المصالحة من خلال اجتماعاتها مع ممثلي النظام الذين يؤكدون في كل مرة عدم وجود مثل هذا المشروع، وعدم قبولهم بكثير من التصرفات لتلك الميليشيات، إضافة إلى سلوك النظام تجاهها، فعندما قطعت تلك الميليشيات الطرقات احتجاجًا على قصف كفريا والفوعة، تصدى النظام لهم واحتوى الموقف”، مضيفًا: “جنوب دمشق منطقة شديدة التعقيد، وترتبط إلى حد بعيد بما يمكن أن يحدث داخل الأروقة السياسية؛ لأنها تدخل ضمن خرائط العاصمة، مركز الحسم لمجمل الصراع الدائر في سورية”.

من جهته قال الأغا: “نعم -بالتأكيد- خطط طهران ونظام الملالي واضحة بالنسبة لنا، نية إيران إنشاء مشروع  شبيه بالضاحية الجنوبية باتت مكشوفة، فالمناطق المحيطة بنا، مثل السيدة زينب، استراتيجية للميليشيات الشيعية، وبالتأكيد خسارة أي منطقة في ريف دمشق سيعجّل بتنفيذ المشروع، وملامحه -حتى اللحظة- تأتي منذ سيطرت قوات النظام والميليشيات الشيعية على عدة أحياء في جنوب دمشق، قبل حوالى ثلاث سنوات، حيث بقيت هذه المناطق خالية من سكانها، ولم تسمح لهم قوات النظام بالعودة إلى منازلهم، إلا في حالات قليلة جدًا، في المقابل، استجلبت عوائل شيعية من داخل وخارج البلاد؛ ليستوطنوا في هذه المناطق”.

جنوب دمشق أسير المشروعات المتناقضة

في هذا الجانب، قال الأغا: “جنوب دمشق مُقسم بين مناطق تخضع لسيطرة فصائل مسلحة، أبرمت هدنة مع النظام، كما هو الحال في بلدات (ببيلا ويلدا وبيت سحم والقدم)، وأُخرى تخضع لسيطرة داعش (التضامن ومخيم اليرموك والحجر الأسود)، والعسالي الذي يعيش حالة هدنة مع النظام، على الرغم من وجود التنظيم؛ بالتالي، يحتاج جنوب دمشق إلى تعاون القوى الثورية فيه بشكل أكبر، ونبذ الخلافات والفرقة الحاصلة، والسعي لإدارة المنطقة بشكل منظم وواعٍ، وأن تدرك هذه القوى ما يحيط بها، وأن يكون لديها رؤية جيدة للواقع، وكذلك بالمعنى العسكري، يمكن القول: إن كل مناطق ريف دمشق تحتاج إلى مؤازرات من خارج الريف؛ لأنها محاصرة ضمن جيوب مقسّمة معزولة، ويصعّب عليها التحرك عسكريًا؛ لفك الحصار عن نفسها”.

من جهته، قال أبو الخير: “ضمن هذا الواقع شديد التعقيد، يحتاج جنوب دمشق -أولًا- إلى تضافر الجهد؛ لفتح طريق إمداد عسكري، يمكن عن طريقه أن تدخل الذخائر والمؤن، بحيث لا نبقى أسرى الهدن التي صادرت القرار داخل أحياء وبلدات الجنوب الدمشقي إلى حد بعيد، وثانيًا، نحتاج إلى تضافر الجهد للتخلص من جميع الخلافات، بما يقود إلى اجتماع الفاعليات والهيئات العاملة في مناطقنا كافة على ميثاق، يتفق عليه الجميع؛ لإدارة هذه المنطقة بأدوات وأساليب مرضية للتشكيلات والتكوينات الموجودة في أحياء وبلدات جنوب العاصمة كافة”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق