تحقيقات وتقارير سياسية

محاصرون بين داعش والصحراء

عيد أضحى جديد يطرق الأبواب، والسوريون ما زالوا يقدمون أضاحي الحرية على المستويات كافة، ففي المخيمات على حدود دولتهم، لم يتوقعوا يومًا أن يصبحوا جزءًا من معالم تحدد وطنًا، حقيقة مرة لشعب معطاء، تُرك في عراء الإنسانية حين تخربها السياسة وضيق الأفق.

إن كانت بعض المخيمات تتمتع بشيء من الدعم، أو المساعدات المحدودة، فإن بعضها الآخر يعيش حالة مزرية، لا يمكن فهم هذا التغاضي العربي -قبل الأممي- عنها، وعدم متابعتها بشكل حثيث، وأبرز تلك المخيمات التي يجب التعاطي معها بطريقة إسعافية طارئة، هو مخيم الركبان، الواقع في منطقة صحراوية قاسية، على الحدود الشرقية الشمالية للمملكة الأردنية، وهو المخيم الذي سمي بـ “مخيم ما بعد الساتر” أو “الركبان”.

%d9%85%d8%ad%d8%a7%d8%b5%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%af%d8%a7%d8%b9%d8%b4-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d8%a1-1

 

بتاريخ 31 آب/ أغسطس الماضي، التُقطت بواسطة الأقمار الصناعية صورٌ، قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” إنها لمخيم الركبان للاجئين سوريين، تبيّن “الوضع المُزري لعشرات آلاف السوريين الذين تقطّعت بهم السبل على الحدود الأردنية”.

وأكّدت المنظمة في ذلك التقرير الذي نشرته على موقعها في 9 أيلول/ سبتمبر الجاري، أنها من خلال تحليل الصور، وجدت أن عدد وكثافة الخيام يشير إلى نحو 70 ألف شخص عالق هناك، لتؤكد أن هذا الرقم هو نفسه قد سجّلته سابقًا في 24 حزيران/ يونيو، وأوضحت أن هؤلاء اللاجئين أغلبهم من النساء والأطفال.

توقع كثيرون أنه وبعد خروج هذا التقرير، سوف يسعى الأردن والمنظمات الدولية للالتفات إلى هؤلاء السوريين، الذين تقطّعت بهم السبل في تلك المنطقة الصحراوية التي توصف بالقاسية، حيث أشار تقرير المنظمة إلى أن السلطات الأردنية، ما زالت تُحاصر عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين، في “منطقة صحراوية قاحلة داخل الأردن، شمال ساتر ترابي شيّدته” منذ تموز/ يونيو 2014، وهذا الساتر يُحدد منطقة منزوعة السلاح على الحدود الأردنية السورية، تمتد لعدّة مئات من الأمتار.

وبحسب نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط في المنظمة، فإن صور الأقمار الصناعية الملتقطة تؤكّد “أن الأزمة الإنسانية في مخيّم الركبان لم تُحل، بل يبدو أنها تزداد سوءًا”، وقد دعا السلطات الأردنية إلى السماح للمنظمات الإنسانية؛ كي تستأنف شحن وتوصيل المساعدات الضرورية التي من شأنها أن تخفف من حجم المعاناة التي يعيشونها.

يُذكر أن الأردن قد أوقف تقديم المساعدات لهؤلاء اللاجئين بشكل نهائي، وذلك بعد هجومٍ تبناه تنظيم الدولة “داعش” على نقطة لحرس الحدود الأردني في تلك المنطقة، في 21 حزيران/ يونيو الماضي، لكن السلطات الأردنية كانت قد استعملت في مطلع شهر آب/ أغسطس الماضي، رافعة عامودية ترتفع إلى 70 مترًا، لإيصال كمية قليلة من المعونات للمخيّم من فوق الساتر الترابي، تلك المعونات التي قدّمها برنامج الأغذية العالمي، كانت تحوي بعض المواد الغذائية، فيما قدّمت -حينئذ- المنظمة الدوليّة للهجرة، كمية من الخبز ومواد التنظيف، وهي المساعدات الوحيدة التي تم تقديمها منذ ذلك الهجوم، وحتى الآن لم يُقدم شيء منذ ذلك التاريخ سوى الماء، وأوضح التقرير أن الصور بيّنت عددًا كبيرًا من اللاجئين السوريين، ينتظرون “حول 7 مواقع لتوزيع المياه على الأقل”، وأضاف بأن العاملين في المجال الإنساني هناك “غيّروا مواقع توزيع المياه خلال فصل الصيف، إثر قرار الحكومة بتقييد المساعدات الإنسانية”، كما بين التقرير أن هذه المواقع توجد خارج المنطقة المنزوعة السلاح.

المؤلم في هذا الأمر أن العائلات السورية اللاجئة، بحسب الصور والتقارير ومكان توزيع المياه، تُضطر في عملية نقلها إلى المخيم، أن تمشي مسافة طويلة، وذلك “فوق الساتر الرملي الرئيس، ثم إلى المنطقة المنزوعة السلاح، ثم إلى عائلاتهم”.

أكّدت عدّة منظمات أممية -المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، ومنظمة الهجرة الدولية- في بيان مشترك لها في مطلع آب الماضي، أنه “لعدم قدرة العالقين على دخول المملكة، ولعدم إمكانية عودتهم إلى حيث أتوا، فإن الوضع الذي يواجه هؤلاء النساء والأطفال والرجال يسوء يوميًا”، وذكرت أن درجات الحرارة في تلك المنطقة الصحراوية، تصل في بعض الأحيان إلى 50 درجة مئوية.

يُشار إلى أن المديرة التنفيذية لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، آرثين كازين، كانت قد صرّحت لوكالات الأنباء في تموز/ يوليو الماضي، حول الاتفاق على إدخال تلك المساعدات اليتيمة بقولها: “الحكومة الأردنية كانت واضحة جدًا معنا، بأن هذا التدخّل سيكون لمرّة واحدة، لكنها أكدت التزامها بالعمل معنا؛ لإيجاد حل على المدى الطويل لكيفية ضمان توفير الدعم لمن هم أكثر حاجة”.

بالتأكيد لم يكن أحد يتوقع من المنظمات التابعة لجامعة الدول العربية، أن تكون حاضرة على الأرض العربية، قبل أن تتبنى المنظمات الأممية الموضوع، فمن الطبيعي أن تتدخل المنظمات الدولية المعنية بالقضايا الإنسانية، ولكن هل لنا أن ننظر بشكل عاطفي إلى الموضوع، حيث العالقون هناك هم عرب على أرض عربية في كل اتجاهاتها الصحراوية، فهؤلاء السوريون كانوا قد هربوا من جور تنظيم الدولة (داعش)، من شمال وشمال شرق سورية، ومشوا لأيام طويلة في الصحاري إلى الشرق من مدينة تدمر، حيث لا مكان لمرورهم بعيدًا عن ظلم قوات النظام من جهة، وتنظيم (داعش) من جهة أخرى، وبعيدًا عن بعض التنظيمات الكردية التي تعاملت عنصريًا معهم في الشمال،  فلم يجدوا معبرًا لهم سوى درب الصحراء القاحل والطويل، إلى أن وصلوا إلى تلك النقطة الحدودية مع الأردن.

عيد أضحى يتطلب منا الكثير من التواصل والتضحية، والأردن لا شك قدّم ما استطاع، وهذا قدر “الأشقاء”، وهي مسألة ليست سياسية بل إنسانية، بالمقابل يدرك السوريون أن جامعة الدول العربية، وما يتفرع عنها من مؤسسات، هي إطار شكلي بروتوكولي يحوي عددًا من الموظفين بلا إنجاز يُذكر، وكم تمنّت الشعوب أن نتعلم من دروس أزماتنا التاريخية، ونقيّم عمل مؤسساتنا العربية، ولكن طالما أن الحال كذلك، والأردن قد اقترح أخيرًا المساعدة في نقل هؤلاء اللاجئين إلى دولة ثالثة؛ كونه لم يعد يحتمل استيعاب لاجئين جدد؛ لأجل المحافظة على أمنه، فالأمل الباقي في هذه المرحلة، ومع مرور عيد الأضحى المبارك، أن تُقدّم المساعدات الأممية لهؤلاء بشكل مستمر؛ حتى يتم التوصل لحل لوضعهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق