قضايا المجتمع

الإسلام الشامي المعتدل!

يشكّل ما يُسمّى بـ “الإسلام الشامي” أو السوري المعتدل، أحد تعبيرات ما سوف نسمّيه “أسطورة الغريب النجس”، فلسان حال السوريين المؤيدين لهذا الإسلام يقول: “لقد جاء بلاء التكفير والتشدد الديني إلينا من الخارج من السعودية وأفغانستان، الإسلام السوري معتدل وحضاري، وما يجري هو تلويث لهذا الإسلام، وتشويهه بالفكر الوهابي المتخلف المعادي للتعايش والتشيع! أو هو تلويث بالفكر الإخواني العنفي السياسي القادم من مصر”.

وقبل أن نعرض لنماذج من هذا الخطاب، وقبل أن نُقدّم نقدًا مختصرًا لهذه المقولة، من الضروري عدم إنكار التأثير السلبي للفكر الوهابي المنتشر في الخليج على المسلمين السوريين، ولكن لنتذكر أنّ هذا التأثير السلبي وثيق الصلة بضعف وهشاشة الهوية الوطنية السورية، هويّة تفاقم ضعفها بمفاعيل وسياسات السلطة الاستبدادية الشمولية، وتوظيفها للحالة الطائفية بما يخدم استمراريّتها. ولنتذكر كذلك إنّ الممثلين الأبرز لـ “الإسلام الشامي المعتدل”، كالشيخ محمد سعيد رمضان البوطي والشيخ أحمد الحسون والمفتي أحمد كفتارو والشيخ محمد صهيب الشامي والشيخ محمود عكام، ورموز مشايخ الطرق الصوفية وغيرهم، كانوا مُنتفعين ويدورون في فلك السلطة السورية الاستبدادية طوال عقود خلتْ، وقد كانوا ممثلين مخلصين للإسلام الرسمي. ولنتذكّر -أيضًا- أن مصطلح “الإسلام الشامي المعتدل” غير مُحدَّد بدقة، وأن “الإسلام الشامي المعتدل” يختلف عن “الإسلام السلفي الوهابي” بالدرجة فحسب، وهو ليس بالإسلام المستنير! وهو ليس بعيدًا عن “الإسلام السلفي الوهابي” أو “الإسلام الإخواني العنفي”، فالإسلام الشامي المعتدل، على سبيل المثال لا الحصر، يُساوي العلمانية بالكفر أو شُبهة الكفر مثلًا! ويدعو إلى إقامة “الشريعة الإسلامية وتطبيق حدودها” على لسان الشيخ البوطي، أحد أكبر ممثّلي الإسلام الشامي، والذي نشر كتيّبًا بعنوان “مجمل الشبهات التي تثار حول تطبيق الشريعة الإسلامية في العصر الحديث”، ولا ننسى بأنّ “الإسلام الشامي المعتدل” يشترك مع “الإسلام السلفي الوهابي”،  و”الإسلام الإخواني العنفي” بتهمّش القدرة التميزية للعقل، لصالح فهم بياني أشعري، أو فهم عرفاني طقوسي لمرجعيّة النصوص القرآنية ونصوص الأحاديث  النبوية المنسوبة، ولا ننسى بأن كتابي صحيح البخاري وصحيح مسلم يشكّلان مرجعية عليا مقدّسة  للأحاديث النبوية المعتمدة عند “الإسلام السلفي الوهابي”، و”الإسلام الشامي المعتدل”، لنلاحظ أنّ الإسلامين كليهما لا يعترض على ما يُسمّى بحدّ الردة وقتل المرتدّ! وهما ضدّ المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، وهما ضد زواج المسلمة من المسيحي واللا-ديني، وضد مساواة المرأة والرجل في الشهادة القضائية، وكلاهما أيضًا ضد دخول المرأة في سلك القضاء مثلًا! ولنتذكر أيضًا أن النقاب -وليس الحجاب- كان منتشرًا في بعض المجتمعات السنّية في مدن دمشق وحلب وحماة ومعرة النعمان، من قبل أن يسمع السوريون بابن لادن والوهابية. ولنتذكّر أيضًا أن حركة تمرد الإخوان المسلمين المسلحة، في بداية الثمانينيات، كانت تحظى بتعاطف في المجتمعات السنية آنذاك، ولأسباب مختلفة.

إذا كانت الوهابية دخيلة على الإسلام فماذا تكون إذن؟! هل هي من مذاهب المسيحية أو اليهودية مثلًا!! الوهابيون يرفضون تسميتهم بالوهابية، يقلّدون ابن تيمية وأحمد بن حنبل، أحد مؤسسي أهم المذاهب الرسمية للمسلمين السنة، الوهابية هي فهم سلفي للإسلام، يعتمد التفسير شبه الحرفي للقرآن الكريم والأحاديث النبوية، والاتجاهات السلفية في الإسلام ليست حكرًا على الجزيرة العربية، بل إنها موجودة وحاضرة في بلاد الشام، ممثلة بناصر الدين الألباني، وعلي الطنطاوي مثلًا، ونجد ما يعادل الوهابية في كل العقائد الدينية وغير الدينية، فهناك سلفية يهودية، وسلفية مسيحية، وحتى سلفية ماركسية!

إنّ الإسلام يتشكّل في أشكال وصيغ متعددة متفاوتة الصلاحية والحيوية، والوهابية هي أحد الأشكال الأقل حيوية، والأكثر قصورًا في الإسلام، فهي من داخل الإسلام وليست بدخيلة عليه، وفي المقابل، لا يمكن اختزال الإسلام بالوهابية أو بغيرها من الفهوم الممكنة.

إن الإسلام كأي عقيدة دينية أخرى، يُشكّل أحد أبعاد الكينونة الاجتماعية، ولا يمكن النظر إلى إسلام الفرد أو المجتمع، بمعزل عن تأثير بقية أبعاد الكينونة الاجتماعية على البعد العقائدي الديني، فمثلًا إسلام المدينة غير إسلام الريف غير إسلام البداوة والصحراء، وإسلام المجتمعات الغنية غير إسلام المجتمعات الفقيرة المُهمشة، وإسلام السلطة الحاكمة غير إسلام المعارضة، وإسلام العصر النبوي غير إسلام العصر المملوكي، غير إسلام القرن الواحد والعشرين، وإسلام المجتمعات العربية غير إسلام المجتمع الباكستاني، وهلم جرا!

وانطلاقًا من ذلك، سيبدو لنا الإسلام بمقدار كونه فاعلًا في ثقافة المجتمع، هو -أيضًا- منفعل بهذه الثقافة والأبعاد المختلفة للكينونة الاجتماعية، ولا يمكن الحديث عن فهم ثابت جوهراني للإسلام بأل التعريف، بل هناك إسلامات، وفقًا لصيرورة حركية احتمالية نسبية، مؤثرة ومتأثرة بمحيطها ومجالها الحيوي.

إن مقولة “الإسلام الشامي المعتدل”، لم تكن بعيدة عن الاستخدام السياسي من السلالة الأسدية الحاكمة في سورية، حيث عمد الأسد/ الابن، منذ بدء الثورة/ الحرب السورية، إلى استمالة رجال الدين السنّة ورموزهم، وتعزيز فكرة الإسلام الشامي المعتدل الأصيل، في مواجهة “الإسلام السلفي الوهابي” الغريب الدخيل، وكذلك فعل الأسد/ الأب عندما تعرّض حكمه لتمرد الإخوان المسلمين بداية الثمانينيات، حيث سعى إلى استمالة رجال الدين السنّة؛ لتعزيز فكرة الإسلام الشامي المعتدل الأصيل في مواجهة الإسلام الإخواني العنفي المتطرف الوافد من مصر، والمدعوم من أعدائه الإقليميين، وهكذا يظهر الاشتغال على  مقولة “الإسلام الشامي المعتدل” كنوع من التوازن السياسي الإقليمي في مواجهة مزدوجة مع  رمزية الأزهر في مصر، ورمزية الحرمين ومشايخ كبار العلماء في السعودية! مع التذكير بكون الإسلامات الثلاثة السابقة، تفتقر -بشدّة- إلى معايير التنوير والحيوية الإسلامية، فهي لا تعدو أن تكون إسلامات رسمية، قريبة الصلة بالسلطات السياسية القائمة.

إنّ مؤيدي نظرية “الإسلام الشامي المعتدل” هم مزيج من مسلمين مؤمنين، ألفوا نمط العيش في المجتمعات الشامية، وكذلك مثقفون غير مؤمنين بالعقيدة الإسلامية، ولكنهم يرون في الإسلام الشامي المعتدل إحدى ركائز الهوية السورية، عبر فهم اختزالي تبسيطي غالبًا، هويّة يتم حاليًا الاشتغال عليها والترويج لها، منزوعة من بعدها العربي الإسلامي، نكاية بانتشار الإسلام السلفي الجهادي في المجتمعات السنّية الثائرة على السلطة الأسدية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق