مقالات الرأي

المعارضة السورية أزمة التحول إلى سُلطة

في محاولة لفهم جزء من آليات تفكير بعض القوى السياسية للمعارضة السورية، في التعاطي مع الفعل الثوري الشعبي، كحراك سياسي؛ يبدو من المفيد العودة قليلًا إلى العام 2005، التاريخ الذي شهد حراكًا سياسيًا نخبويًا بعد انقطاع طويل في سورية، والذي أُطلق عليه “ربيع دمشق”، الأنموذج الملهم لأغلب القوى السياسية القائمة حاليًا في المعارضة، والذي يدعو كل باحث إلى التساؤل، وبكل تجرد: كيف لمجموعة من السياسيين وناشطي المجتمع المدني، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، أن تجتمع في ظل قبضة أمنية، وتؤسس لحراك بدا مقبولًا، قياسًا على الظرف الأمني آنذاك، وتخلق صيغة توافقية، جمعت بين العلماني والليبرالي والقومي والشيوعي والإسلامي؛ أن تفشل-تلك المجموعة- في العام 2011، في إنتاج حراك سياسي فاعل، يتلاءم مع ثورة شعبية، قدّمت أغلب مكوّني المجموعة -ببراءة- لتولي إدارتها وتمثيلها سياسيًا؛ حيث انتفى الشرط الموضوعي المحدد لحركتهم، فضلًا عن توافر دعم إقليمي ودولي؟.

ولعل الجواب عن هذا السؤال، يدفع للبحث في طبيعة الهدف والطموح السياسي لبعض تلك القوى، والذي اختلف من العام 2005 إلى 2011، فعلى الرغم مما رفعه رواد ذاك الحراك، في ظل القبضة الأمنية في العام 2005، من شعار تفكيك الدولة الأمنية وتداول السلطة، إلا أنهم كانوا مدركين -تمامًا- أن أدوات هذا الإصلاح، إنما تتم تحت “سقف محدد”؛ لذلك، يبدو أن بعضهم كان يطمح إلى ترخيص “صالون ثقافي”، أو “منتدى أدبي”، أو “منظمه مجتمع مدني”، كأدوات يستطيعون من خلالها إحداث تغيير تدريجي في الدولة الأمنية.

ولكن في العام 2011، اندلعت ثورة شعبية، هددت السلطة القائمة؛ ما أنذر باحتمال فراغ سلطة، ليتحول الطموح من “منظمة مجتمع مدني” إلى ملء فراغ السلطة؛ ما دعا كثيرين -على ما يبدو- إلى الخروج عن الإطار الجامع، والعودة إلى قواعدهم التنظيمية ومشروعاتهم الذاتية، كـ “الإخوان المسلمين” و”رابطة العمل الشيوعي”، وغيرهما من التيارات والشخصيات التي سعت إلى تأسيس أجسام سياسية جديدة؛ بغرض العمل السياسي الأحادي، كل من مبدأ أنه الأقدر على ملء فراغ السلطة المحتمل، وهذا ما قد يوضح حالة مطلبية السلطة؛ وبالتالي، الخلاف عليها.

ولعل النقطة الأخيرة كمدخل، تبدو مفسرة لكثير من أسيقة الفشل السياسي للمعارضة خلال السنوات الخمس الفائتة، حيث ساهمت في تأسيس بنية هشة لتلك الطبقة السياسية، كمؤسسة، فعكست فعليًا ائتلافًا لمشروعات ذاتية متناحرة، هيأت فيه الخلافات الأيديولوجية وغياب المشروع الوطني الجامع لآلية من الاستقواء السياسي البيني، والتي مهدت -بعدئذ- لقابلية التبعية الدولية.

وعلى الرغم من معطيات الشرط الموضوعي، المتمثل بالضغط الدولي على المعارضة السياسية، ومحاولات تضييق هامش حركتها، وفقًا لتوازنات أمنية إقليمية ودولية؛ إلا أن ذلك لا يبدو مبررًا لحالة فقر الرؤية الاستراتيجية، وحداثة العمل السياسي المؤسساتي الدولتي، واللذين لا يتعلقان بالشرط الموضوعي، بقدر تعلقهما بالشرط الذاتي، الذي ساهم تفاعله ضمن الشرط الموضوعي في تشكيل نسق سياسي لإدارة المعارضة الملف السوري خارجيًا، يقوم على انعدام الفاعلية وارتهان القرار السياسي.

واللافت أن الأداء الخارجي لبعض طيف المعارضة السياسة، قابله أداء داخلي قائم على انعدام الوزن النسبي على الأرض، والبحث عن الشرعية في كل مكان إلا الشارع السوري، بل إن أسلوب التعاطي مع الأخير، مثّل ظاهرة غريبة، لا يمكن إلا الوقوف عندها وتحليلها، تلك المتمثلة بالأسلوب غير المباشر في “تهميش الشارع السوري”، والتعالي عليه، والذي لم يقتصر على مؤسسة المعارضة القائمة حاليًا، وإنما امتد إلى جزء من المجموعات المعارضة من الدائرة غير الرسمية، وصولًا إلى بعض القوى المسلحة على الأرض، حيث تجلى هذا الأسلوب، بدءًا من منطق بعض العلمانيين الذين بدؤوا يتحولون إلى ” علمانية سلفية “، تعدّ نفسها “إنتلجنسيا” مترفعة عن كل مكونات الحراك المسلحة وغير المسلحة، مرورًا باليسار “بأبراجه العاجية”، وليس أخيرًا الحركات السلفية الجهادية التي تنظر إلى الشارع من زاوية أنها نخبة دينية قادرة على إدارته، بوصفه جاهلًا وغير قوّام على نفسه، ليطلقوا على جهادهم صفة “جهاد النخبة”، هذا التهميش للشارع، وإن لم يُعبَّر عنه بشكل مباشر، إلا أنه بات الصفة الطاغية على سلوك أغلب قوى المعارضة السياسية.

واليوم، وبقدر ما يبدو البحث في أسباب “العطالة السياسية” للمعارضة السورية مهمًا؛ إلا أن تحليل واستشراف خطورة استمرار هذه الحالة، على المدى القريب والبعيد، قد يمثل مجالًا أكثر إلحاحًا؛ إذ لابد للمعارضة السياسية الحالية أن تدرك بأن بقاءها بالشكل والأداء السياسي الحاليين (داخليًا وخارجيًا)؛ إنما سيؤدي ضمن الشرط الموضوعي الحالي إلى مخاطر حقيقية، ليس آخرها وصول الأسد إلى المرحلة الانتقالية؛ إذ ستدعم -بشكل مباشر أو غير مباشر- نظرية “عدم وجود البديل”؛ وبالتالي، الدفع بالأسد ليكون جزءًا أساسًا من المرحلة الانتقالية، بحجة المحافظة على ما تبقى من مؤسسات الدولة، وضمان انتقال آمن للسلطة.

ولعل هذا الأثر لن يتوقف عند المرحلة الانتقالية فحسب، وإنما سيتجاوزها إلى شكل السلطة المتوقع في سورية، بعد تلك المرحلة، فقياسًا على الدور الاستراتيجي لسورية في المنطقة، وتشابك ملفاتها الأمنية مع العديد من الملفات الدولية والإقليمية، فإن وصول مجلس أو شخصية عسكرية إلى إدارتها، لا يبدو خيارًا مستبعدًا، خصوصًا وسط وجود بديل مدني هش، تمثله المعارضة السياسية بشكلها وأدائها الحاليين؛ ما قد يدفع -على المدى البعيد- إلى إعادة سيناريو حكم العسكر، من جهة، وتقوية تيارات الثورة المضادة من جهة أخرى، خاصة أن هذا التوجه لا يقتصر على سورية، بقدر ما يتضح أنه استراتيجية دولية في التعاطي مع بلدان الربيع العربي؛ لإيصال أنظمة عسكرية بعد فشل “تجربة الإخوان المسلمين” في تولي زمام السلطة في بعض تلك الدول.

وربما قد يعزز هذه الفرضية؛ عدم نضوج تجربة ديمقراطية راسخة في سورية -كما الحالة التركية-تساهم في عرقلة هذا التوجه، بل على العكس، فقد يبحث المدنيون الخارجون من الحرب عن الأمان بالدرجة الأولى، والإدارة القادرة على ضبط البلاد وإعادة حركة الحياة إلى شكلها الطبيعي. وعندها لن يلغى دور المعارضة السياسية الحالية، فشكل التسوية المحتملة في سورية، قد يحمل كثيرًا من القوى السياسية إلى السلطة “بقرار دولي وصيغة الفرض“، إلا أنه من المؤكد أن تلك القوى لن تمثل في ذلك الوقت، وبحسب التعبير المصري، أكثر من “وردة في البدلة الميري”، أي: مجموعات سياسية ديكوريةن تُستخدم لتزيين البزة العسكرية وتجميلها، كما اليوم في الحالة المصرية، وهناك -فحسب- ستدرك تلك القوى السياسية لماذا تم الاحتفاظ بها، وتقديمها بصيغة الفرض، كجزء من التسويات التي اعتقدوا بأنهم أرقام صعبة ضمنها.

إن المرحلة الحالية تعد الأخطر في تاريخ الدولة السورية، منذ تشكلها بحدودها الجغرافية القائمة بفعل اتفاقية سايكس بيكو؛ إذ يتصاعد الصراع السوري -اليوم- دون أفق واضح للحل، ويتفاعل وسط تشكل نظام أمن إقليمي جديد، يستند إلى فراغ أميركي في المنطقة، وتدافع دولي وإقليمي لملء هذا الفراغ، وبروز ثلاثة مشروعات طموحة تحيط بسورية، وتعدّها نقطة مهمة بأدوات مختلفة (تركيا، إيران، إسرائيل)، وسط غياب أي مشروع عربي حقيقي، إضافة إلى انتقال قاعدة الجهاد من أفغانستان إلى المشرق العربي، وتموضع الجزء الأكبر منها في سورية، علاوة على المشروعات الانفصالية التي بدأت تنمو في هوامش الصراع المحلي الدائر، والأهم من ذلك، حجم التحولات الكبرى التي شهدها ويشهدها المجتمع السوري، تلك التحولات التي تجاوزت كل نظريات الهندسة الاجتماعية، لما حملته من تغيير راديكالي مفاجئ، ينذر بتهديد حقيقي لتركيبة المجتمع السوري.

ووسط هذه التحولات والتهديدات الكبرى للدولة السورية، والتي يتحمل الأسد الجزء الأكبر منها؛ يحق لأي سوري، وتحديدًا ممن ثاروا لتغيير النظام السياسي القائم في دمشق، أن يسأل وفقًا لتلك المعطيات: هل الطبقة السياسية الممثلة للثورة السورية حاليًا، قادرة على إدارة سورية كدولة حقيقية، وسط هذه التحديات، والنهوض بها بشكل يخدم السوريين ويحقق تطلعاتهم في تغيير حقيقي، وفي الوقت نفسه، يحفظ لها موقعها ودورها السياسي المستقل في المنطقة، ولا يكون تابعًا؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق