سورية الآن

ظلال أيلول الأميركي في الشرق الأوسط

في 11 أيلول/ سبتمبر 2001، وقف العالم مذهولًا أمام واحدة من أغرب وأعنف العمليات الإرهابية المنظمة والمفاجئة، حيث انطلقت أربع طائرات مدنية من مطارات داخل أميركا بشكل طبيعي، ودون إثارة أي انتباه أو مشكلة، ثم غيّرت اتجاهاتها في الأجواء، لتتوزع المسارات نحو أهداف مختارة، أهمها اختراق طائرتين لبرجي التجارة في نيويورك، بينما الثالثة اتجهت نحو مبنى وزارة الدفاع الأميركية قرب واشنطن، لكن الطائرة الرابعة قد انفجرت في ولاية بنسلفانيا ولم تكمل طريقها، وذكرت بعض الأنباء أن هدفها كان البيت الأبيض.

تبنى تنظيم القاعدة، بقيادة أسامة بن لادن، ذلك الهجوم، الذي نفّذه 19 شابًا، توزعوا مجموعات على تلك الطائرات، فكانت حصيلته نحو ثلاثة آلاف قتيل، فضلًا عن عدد كبير من الجرحى، وأيضًا الدمار الهائل، ومشاهد الرعب القاسية، فهل فعلًا هذه هي حصيلته الحقيقية والنهائية، أم أن عدّاد الضحايا ما زال مفتوحًا.

بعد مرور 15 عامًا، يعود النشاط والحيوية إلى الموقع، وتعود دائرة الأعمال إلى طبيعتها في منطقة برجي التجارة، ذهبت -حينئذ- أنظار المتابعين نحو الضحايا الذين كانوا داخل الأبراج والأماكن المستهدفة والدمار المرافق، ولكن بأي ذنب أيضًا يتم استخدام ركاب طائرة، في عملية لها أهداف لا تعنيهم، ولأي جنسيات ينتمي أولئك المسافرون إذا كان الهدف أميركا، كل ذلك -بالتأكيد- لم يخطر ببال القاتل، وهنا بحسب أساليب الإرهاب، فإن الغاية تبرر الوسيلة، فكيف إذا كانت الغاية هي بالأساس إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا، أي أن المسألة رقمية وليست نوعية.

مع هذه السنوات التي مرّت، أصبح من الضروري النظر إلى عداد الضحايا من زاوية أخرى، وأصبح من الواضح أن جهد بن لادن ومن معه في التنظيم، أدّى ليس إلى دمار أميركا، أو ما يسميها بالعدو الأول، فحسب، بل أدّت إلى تضافر الجهد الغربي، لاستكمال ما بدأه بن لادن وتنظيمه، ألا وهو القتل الرقمي بأكبر عدد ممكن، فإذا ابتعدنا عن التصنيفات الأيديولوجية التي أرادها تنظيم القاعدة أن تأخذ واجهة الجدل؛ لتغطي الحقيقة الأساس، وهي أن هنالك جريمة مستمرّة تُرتكب، أو الأفكار التي رغبتها أميركا وحلفاؤها، وهي أن هنالك جيوشًا متطرفة قادمة لتلتهم العالم على العشاء، وعلى العالم أن يتحد ليستبق التهامها على الغداء، نكون أمام وحدة هدف بين تنظيم القاعدة والسياسة التي نتجت عن أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، والتي قلنا عنها القتل الرقمي بأكبر عدد ممكن، لنصبح قبالة حقيقة من نوع آخر، أن أفغانستان قرر الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش غزوها، تحت عنوان القضاء على “الإرهاب”، كانت المطبخ الذي خرجت منه الولائم المعدة للشرق الأوسط، تلك الدولة التي غزاها الاتحاد السوفياتي سابقًا؛ للمحافظة على حكومة نجيب الله؛ ما استدعى تقاطر الجهاديين إليها لمقاومة الغزو السوفياتي؛ ما أدى -لاحقًا- إلى الغزو الأميركي؛ للقضاء على القاعدة التي بايع زعيمها بن لادن، “أمير المؤمنين” الملا عمر زعيم طالبان، وكان عداد القتلى مفتوحًا للتباهي بالإنجازات، فصدرت آلاف التصريحات والبيانات التي تقول إن غارات استهدفت مواقع هذا أو ذاك من التنظيمات؛ لتوقع العشرات بين قتيل وجريح، فوقعت أفغانستان بالفقر والجهل، وخرجت القاعدة وطالبان وأميركا وتحالفها منتصرين جميعًا، ولا ندري حتى اللحظة من هو المهزوم، وهنا يصبح عداد ضحايا هجمات 11 أيلول/ سبتمبر مستمرًا في دورانه، لنضم إليه ضحايا الحرب في أفغانستان وارتداداتها في عدة مناطق من العالم.

من أفغانستان إلى العراق حطّ حلف مكافحة الإرهاب رحاله، وقفز فوق جبال إيران حيث المعاقل الأهم لكل تلك التنظيمات، وموارد المال والتحويلات والنفط والدعم اللوجستي، ليُترك الخميني وإرثه الجهادي مستقرًا في وجه من سمّاها الشيطان الأكبر، لتقدّم له الخدمة الأهم في تاريخ إيران، ألا وهي خدمة تسليمها العراق بلا صدام حسين، وبلا حكومة مركزية وبلا جيش، والعنوان الرئيس لتلك الحرب التي أعلنها جورج دبليو بوش هو القضاء على الإرهاب، فعبرت القاعدة من إيران، كما عبر التحالف، واستوطنت في عراق الرشيد، تُعلّم شعبه الطيب فتاوى الموت، عوضًا عن علوم بناء الدول، وتعلّم إيران -من جانبها- القسم الآخر من الشعب طُرق اللطم والثأر؛ لتفتح جرحًا جديدًا في المنطقة، يلتقي مع ما أنجزه بن لادن وقاعدته من جراح، أدّت إلى أن يُصبح الجسد بيئة خصبة لنمو كافة الأفكار التي تساعد في استمرار قوّة الدفع للدولاب الذي يُعطي أرقام الضحايا ويُراكمها.

عندما جاء الربيع العربي، وانطلقت الشعوب، بحثًا عن كرامتها المهدورة على عتبات الحكام والأيديولوجيات التي اختبأت خلفها، كان مشهد 11 أيلول/ سبتمبر حاضرًا في مخيلة الغرب، وكان على المستبدين في المنطقة أن يعملوا على تظهير الصور وإبرازها أمام العالم، فأهم المتضررين من الربيع العربي ليس قادة العرب بقصورهم وحسب، بل قادة طهران، حيث التقت مصالح الأعداء على هدف واحد، هو قتل الشعوب لمنع الأوكسجين النقي عنها، وتقابلت -بالتأكيد- مع القاعدة ومشتقاتها، والأيديولوجيات اليسارية والقومية والدينية كافة، وتقابلت مع ليبرالية رأس المال الغربي، فتزاوج الجميع زواجًا غير شرعي في خفاء اللقاءات، وأنجبوا تنظيم (داعش)، وانتقل التحالف الدولي من العراق إلى سورية، يُطارد عباءة الإرهاب الجديدة، ليحافظ على الأسد كغزالٍ مدللٍ، فيطير عبر مطاراته وساحله التنظيم الجديد، إلى ليبيا؛ ليُرعب شعبها وشعبي تونس ومصر؛ كي يكتفيا بالسيسي والسبسي، ويقول لهم: عداد الموت الرقمي أقرب لكم من عبق الحرية، بينما في اليمن حيث الجبال تشبه دهاليز قندهار، يُكتفى ببقاء القاعدة، وتظهر ربطة عنق عبد الله صالح، لتعطي حيوية للمشهد مع حليفه اللدود عبد الملك الحوثي، فتُرجمت الثورة كشيطان ديموقراطي.

بعد 15 عامًا، تغيًرت أسماء القادة، من بن لادن إلى الظواهري فالبغدادي، كذلك أسماء الموعودين بالجنة من حاملي الأحزمة الناسفة، وسائقي السيارات المفخخة، وأسماء زعماء الدول الكبرى المتحالفة ضدهم، مع أسماء قادة الجيوش وأسراب الطائرات التي تجوب السماء والتي تبدّلت من كونها مدنية في تلك الاعتداءات بنيويورك، لتصبح عسكرية، وبقي الاستبداد يتوالد ويتكاثر، ويستعمل أدوات العصر، ويفتح السجون والمنافي، ويتلقى المعونات والقرارات الدولية الداعمة، وبقيت شعوب الشرق الأوسط وحدها، تدفع فاتورة ذلك الاعتداء الآثم، ويصُبح عداد ضحايا 11 أيلول/ سبتمبر، يُسجل مئات آلاف الضحايا الذين فقدوا حياتهم، علاوة على ملايين الجرحى، وملايين المشردين إلى المنافي، ليُتحفنا التاريخ بقادة دول وأحزاب وتجمّعات، يُسجلون انتصاراتهم على دماء الفقراء والمساكين والأبرياء، فأي انتصارات تلك، وأي حقبة سوداء ابتدأت بها الألفية الجديدة، مع اعتداءات صباح ذلك اليوم من عام 2011، على الأقل بشهادتنا الحيّة نحن -السوريين- حين تصادف ذكراها مع عيد الأضحى؛ لينتصر كيري ولافروف فيشربان نخبها فودكا روسية، مع وليمة بيتزا أميركية على أرض القارة الأوربية؛ لتطبيق اتفاق هدنة على جماجم الأطفال وأمعاء الجوعى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق