أدب وفنون

احتضارٌ خريفي..

امنع عني حضور نزوة تغيبك الخريفيّ القسريً، هذا الحول من الأمل. لحضرتك بي وقع أنياب الغياب، ووجعه في جسد حاضري، وفضاءات أسمائي المقدسة الثلاثة، امنع عني غيابك الأيلولي في هذا الميقات من حصة السنين بيننا، وتعال وانظر إلي، كما انتظرتك أيها الحق عاليًا عليًا؛ كي نرى الضوء جميعًا، وكلينا.

أنا الثائرة المشتعلة فيك نورًا ونارًا، والمشتعل أنت بي ضفافًا من عطر، ونقلة تغيير، وتيجانًا من كرامة وغار..

تعال.. كل شيءٍ في هذا الخريف العاصف بك ينادي نهضتي، عاصفة الغبار والغياب وأنواؤها تقصف أفق أحلامي مدينةً مدينة، تلف بدوامتها كيان تقاسيمها، وتختار دهليز الجراح طريقًا في قلب العاطفة، ومسارات الحقيقة، تلغي معالم شرارتك الأولى، تكتم مطالب هتافاتك، وتبتر حناجر أحلامنا، ونياشين الصراخ حولك وحيالك.

فالأسئلة تزدحم وتتوارى فوق أئمة التوجهات والجهات، والعاصفة جارحة شجية اللحن؛ كلما داعبت -بدورانها- ثواني الأيام تتهاوى خطواتنا فوق سكينة مضطربة المعالم، فاقدة الهوية. مبتعد أنت، ومبتعدة هي بصور تكهناتها، بألم ظلام المسكن والمحط، تشهق عند كل هدب: وااا ألماه… جرحنا يا أبنائي -الآن- يكبر، تتسع الفجوة في انكشاف النيّات، والكل يتهاوى، أصقاع نائية من جغرافية هذا الكيد تجدني وتجدك في هذا الخريف.

سنون سبع عجاف، تنوح وتلوح بنا، والظلمة تحوم بخريفها ووحوشها، والتصفيق المأجور، والبطون والطبول تحبط كل الفصول لازدهار الربيع في حرمتي، إلاكَ، إلا خريفك المشبوه..

الخرائط تصفرّ أوراقها، أيلول يبتهل بموت مؤجل اليأس، أراه، تصطك أسنانه عند مفارق الاعتبارات، وثلج غوغائية البرق من كل حدب وصوب، لا يعد بمطر فوق تراب، بل سُقي دمًا، دموعًا، ولا ينبت زهرًا، ولا وردًا، ولا بياضًا للرجوع.

كل هذا الخريف إذن؟!

من سيجدك حول قلاع بيتي؟ من أعد أوراقك العارية؛ لتصرخ بعورتك أرضي؟!

كل تلك المطارح الخاوية، كل تلك الأهواء البائسة، أما كانت تشبع رغبات الخريف، وتشفي غليل قدومه عني.

يا خريفك، كل هذا الخريف إذن؟!

وعيناي الشمس اللتان أشرقتا دهرًا، وازرقّتا سيلًا من نور.

كيف لحامل هذا الخريف إلينا أن يبتدع كل هذا الحزن، ويجعل الأهداب في سديمٍ، قبل عماء الجفون؟!

والآن، وبعد كل الذي حل وصار، فلا طعمًا أتذوّقه، ولا كأسًا أرتشفه؛ ليسقي ظمأ غربتي، ويوقد قنديلًا بعد واحات السراب، أحدق به لأعود، وأخلق، وأبصر انطلاقتي من جديد.

لا نبأ هناك، لا قاموس يفتح، ولا مضائق تعبر، الكل يسلط غبار خريفه صارخا:

الغبار خلفك، والغابر أمامك، والبحر شمالك صار صحراء؛ أين لكما العبور؟!

لا وعد، ولا شرفة، في خضم هذا الزحام، سوى متكالبين، سحرة وعرافين، شياطين بهيئة شيوخ، بطوباوية القرش والذل المسكون.

لا شيء يخفق، القلب صار مفتقرا لداعمه..

ساسةٌ يأكلون فكر الظنون، لا رادع، لا داعم… الأوراق تتساقط، وخريفك يكبر، والمراكب تهوي..

صوتي يعلن فقره، وتطل أنت برؤيتي عاشقًا من سراديب الكنايات، تسميني ياسمينة، حارسة الشام، تعلنني قديسة حب من نسيج منعدم العبارات؛ يصعب تفسير اللفظ، وما أوحي إليك من كلمات…

تطل، والخريف قابع في خريف، تعلنني صابرة تقية، مفتقرة إلى الحلول والحيلة، لا ممتلكات لدي ولا مكتسبات، سوى حنان من أبد العصور، وتنوير راهنت عليه في أفئدة خير، لحمها من نبضي، واسمها امتداد لأوردتي.

راهنت عليهم كما تراهن علي، عاشقا يمنع دمي المهدور.

يجتذبني بعباءته لضفة الأمان، رافعًا مشيئتي والبلاد لملكوت حاض في الظهر، ماثل في الحياة.

يحمل نعش الخريف ورواده، زناته، طغاته، أتباعه، يطهرني ألف ليلة وليلة، يلبسني ربيع وعدي، رائدًا معززًا لتوحدي ووحدتي، متضرعًا لرب الربيع ازدهارًا، ولعشتار الحب أولادًا من نذر أحرارًا، فارشًا براعمه بدل أوراقه الصفر، وثوب اسوداده أغصانًا، بدورًا وأقمارًا.

من حي يلد، فانبثق هائمة بقلبه الثائر العاشق.

يا حب إلهي، إنه الخريف زائري، امنع جنون سوطه عن أفلاذ كبدي، عن ثوب عرسي، زائرنا غير محبوب.

أيها الحب إلهي اجعل خريفه غيابًا، واجعل الحق جحافلَ من نور، يبدد الغياب وظلام القصور.

وأعدني وأعدك حياة بعد كل سقوط.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق