قضايا المجتمع

الهويّة وتمظهرها الشكلي

أهي المواراة بالحجب والاحتجاب، فإذا الإخفاء بالستر والمنع، أم أنه احتراز وحجز وإبعاد، وإذا حجر وتحديد وإلغاء لكائن أراده شاهد الأزل أن يكون مغايرًا، فكانت المغايرة لا موجبًا في القسط عدلًا ومساواة، بل علة أدعى للاحتجاز والاحتجاب بما هي سبّة وعورة؟ هل الحجاب تكليف فوق بشري لكائن ناقص عقل ودين، وكامل فتنة وعورة إلى يوم الديّان العظيم؟ أم تراه مجرد خطأ في الثقافة أدان المرأة مرة واحدة وإلى الأبد، لتكون مجرد طائر يدق على نوافذ الأبدية، ولا تجيبه إلا هوامش التاريخ القصية؟

هل يمكن إخراج مسألة الحجاب من الأقانيم المقدسة، وإدخالها مدخل التواريخ المدنّسة؛ لتكون عنصرًا من عناصر النقاش المضطرم، الاجتماعي، السياسي، الثقافي، الاقتصادي، الأخلاقي، وبكلمة الحضاري، في سياق تاريخ متصل من الصراع، وإن كان متواريًا بين الرجل الصانع، القادر، القاهر، القائد، النبيّ، الوليّ، الفقيه، والمرأة الناقصة، الفاتنة، التابعة، الغاوية، المغوية، العورة!!

منذ أن قدّس الرجل سرّه وتصوّره عن الله، لم يعد ثمة مكان للمرأة في سماء الفضيلة، فهبطت في أرض الغواية لا خوف عليها ولا حزن، فلن تأتمر بأمرها الأفلاك والريح والنار والخصب والحق والخير والجمال، ولن تكون -بعد ذلك- في مصاف الأبرار والشهداء والقديسين والأولياء إلا من رحم ربي، كما لن تكون -مطلقًا- في مصاف الأنبياء، لست ممن يقرر في مسألة فقهيّة حول ما إذا كان الحجاب وجوبًا أم جوازًا، فهذه مسألة قد قرر فيها الرجل الفقيّه – الرجال الفقهاء، وبانتظار أن يخرج من بين ظهرانينا أولئك المتنورين الذين سيعيدون إلى التأويّل دماء العصر، وقد قال بعضهم، على أيّ حال: إن الحجاب ليس من باب الفرائض الشرعية تكليّفًا، بل هو أقرب ما يكون إلى الجواز منه إلى الوجوب، ومنهم من قال بأن القرآن لم يفرض الحجاب فريضة شرعية مطلقًا، ويمكن أن نأخذ هنا “جمال البنا” و”سيد القمني” مثالين. وغنيّ عن البيان أننا -هنا- نقصد بالحجاب ما يغطي الرأس، وليس ذاك الذي يتعلق بستر الجسد، ويبقى السؤال الكبير عالقًا حول استمرار الركود المتعلق بالمدونة الفقهية، منذ النصف الثاني من الخلافة العباسية، تلك المرحلة التي شهدت وضوح الترهل الإمبراطوري ومرتسماته الثقافية والسياسية والاقتصادية والعسكرية، وتعمق الخلاف السني – الشيعي الذي واكب التحولات العميقة في البنية الديموغرافية لمجتمع الخلافة العباسية، والصراع على السلطة، تجلى في الحركات والثورات ذات المحرك الاقتصادي والسياسي، والتي تقنّعت بالعقائدي، الذي غلف -بدوره- الصراع على السلطة.

في هذا السياق، يمكن فهم حركة القرامطة وثورة الزنج وقيام الدولة الفاطمية، وتتجلى أهمية الحديث عن هذه المرحلة في سياق الموضوع الذي تقاربه هذه السطور على مستويين مترابطين: الأول يتعلق بالثراء الفكري والثقافي، المتمثل بتنوع وتعدد الفرق في إطار الفضاء الفقهي الإسلامي، من كلاميّة ومعتزليّة وأشعريّة وفلسفية وصوفيّة …إلخ، هذا الثراء الذي شكل معمارًا فقهيًا مترامي الأبعاد، نَجم عنه تدفق هائل للطاقات الروحيّة والفكرية والثقافية، وسَمت الفضاء الحضاري للإسلام الذي انفتح على مجمل النتاج الحضاري للثقافات السائدة في العصر، ولا سيما الإغريقية منها. فيما يتصل المستوى الثاني بإقفال المسرح الثقافي والفكري والحضاري على أقوال فقهية، تريد أن تقول بأنها اجترحت معجزة تأويّل المقدس، واستحالت إلى طبقة متراكمة حوله، تدّعي لنفسها القدسية ذاتها، وهنا انطبق الفقيه على السلطان في تحالف دهري، انتهى بإطفاء الجدل الداخلي للفقه الإسلامي، وإقفال المسرح الفقهي على أقوال منتهية في المدونة، أسست لإنتاج تاريخ دائري الزمن، ومفتوح على التخثر والركود والفوات، ومنفتح أيضًا على العنف، بتوسط السلطة وألاعيبها الخفية والخبيثة.

ثمة حزمة نسقية مترابطة متكاملة، سيكون من قبيل التحدي أن يتصدى لها خطاب ديني عصري، يُحاول فتح ثغرات في جدار فقهي، تصلّب في وجه مجمل البنية الثقافية، تجديد الخطاب لابد أن يعيّد فتح المدونة الفقهية على آفاق الحاضر والمستقبل، قد لا يُشكّل موضوع الحجاب أكبر عناصرها وأهمها، لكن في الحالة النسقية وارتباطاتها، يبدو الحديث عما هو مهم، وغير مهم حديثًا نافلًا، لأن جميع العناصر مهمة في النسق.

ربما لم يكن الحجاب -بالنسبة لكثيرات من المسلمات المحجبات- وأنا منهن، خيارًا ذاتيًا مبنيًا على الاقتناع الذاتي؛ لأنه -ببساطة- قد فرضه العرف والعادة الاجتماعية والعائلية قبل أن يكون فريضة، أو ليس فريضة دينية، لكنّه -مع مرور الوقت- تحوّل إلى ما يشبه الهُوية أو جزء منها؛ وبالتالي، لم أعد أنظر إليه بوصفه قيدًا، بل صار -بالنسبة لي- مظهرًا من مظاهر الشخصية، وتعبيرًا من تعبيرات الهوية.

مع ذلك فأنا ممن تعتقد بضرورة أن يكون الحجاب خيارًا بين خيارات أخرى بالنسبة للمرأة المسلمة، استنادًا إلى رأيّ فقهي حول الموضوع نفسه، يضع مسألة ارتداء الحجاب خارج أوامر الفريضة الدينية، ويعيّده إلى حقل الخيارات الشخصية الذي يبنيه على الاقتناع الذاتي، ووحده الاقتناع الذاتي ما يعيد للحجاب مفهومًا عميقًا لمبدأ الفضيلة، الراسخ في النظرية الأخلاقية العامة للدين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق