أدب وفنون

حكايتي مع الكلاب الثلاثة

جاري أبو سليم ينتظر الانتخابات من موسم إلى موسم بفارغ الصبر، ويراهن -في كل مرة- أن مرشحي الجبهة الوطنية سينجعون، مهما حاولت القوى المضادة للثورة أن تقف في طريقهم. جاءني عشية إحدى الانتخابات وقال:

ـ والله يا جاري يا مسعود جاييك بخدمة، أنا قاصد الله وقاصدك. قلت:

ـ تفضل، بالذي أقدر عليه. قال:

ـ معلومك، الكلبة اللي عندي –حيشاك- خلّفت من فترة، وجابت ثلاث جراوي، وكبروا وصاروا كلاب -أجلّك الله- وكل الليل نباح ومهارشة، خوثوني الله الوكيل. ما عرفت كيف أنام. وبكرة مثل ما أنت عارف انتخابات مجلس الشعب، خايف أغطس بالنوم وما إقدر قوم بواجبي، ومارس حقي بالانتخاب، وهات على تحقيقات واستجوابات، وليش وما ليش؛ قلت يا ولد لعل جاري مسعود يعمل معي معروف، ويشوف لي صرفة مع هالكلاب.

لم أكن قد هيأت نفسي لمثل هذه المهمة، فقلت له:

ـ كيف أستطيع مساعدتك؟ قال:

ـ اعمل معروف ريحني من واحد منهم، وإلك الأجر والثواب، ولعل واحد من جيرانا يريحني من الثاني. قلت له:

ـ وماذا سأفعل به؟ لا عندي غنم ولا ماعز، ولا عندي شيء في البيت أخاف عليه من اللصوص، على الأرض -يا حكم- كما تعرف؛ فقال لي:

ـ بالعكس! الكلب بالبيت بركة، واللي ما عنده كلب ما عنده شرف ولا كرامة، وظل يزنّ على رأسي حتى أقنعني، فذهبت إليه بعد أن توكلت على الله، وعرض عليّ الكلاب الثلاثة، كل كلب أقطع من الثاني. وقال:

ـ كون ذيب واختار أحسن كلب من هذه الكلاب. قلت:

ـ لا مجال للمفاضلة على رأي المثل: ” قال نقيلك كلب من هالكلاب، قال كلهن كلاب ولاد كلاب”.

عندما قلت ذلك جفل أبو معتز، كأنك لكزته في خاصرته، لكنه لم يعلق ولا بكلمة. وأنا قلتها على نياتي، ما حسبت أن صاحبنا سيرى فيها إنّ.

الخلاصة، أغمضت عيني، وأخذت أعد حكرة بكرة؛ حتى وقع النصيب على أحد هذه الكلاب. أما شو كلب” رفيع، طويل، أمزط. قدته وتوجهت إلى البيت، وأنا يا غافل لك الله، لا أدري أن المنظوم دارها سياسة، قال شو؟ قال إني عندما ضربت المثل ما كنت أقصد الكلاب، وإنما قصدت -والعياذ بالله- المرشحين الذين يتنافسون على عضوية مجلس الشعب؛ وأنا على قد حالي، لا علاقة لي بالسياسة من قريب ولا من بعيد، أمشي بظل الحائط، وأطلب من الله السترة. كلما تذكرت السياسة أتذكر جارنا أبا نعيم وقصته، عندما هبطت عليه النعمة فجأة، فانتقل من موظف بسيط إلى مدير عام؛ فلم نعد نراه أو نستطيع محادثته، ولم تمض أشهر حتى دارت الأيام، فعاد أبو الفار لفاره، وصار يحاول استرضاء الجيران فلم يفلح.

الحاصل، نعود إلى سيرة الكلاب -أجلكم الله- بعد الانتخابات بيوم شرّفوا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

ـ انت مسعود المطر؟ قلت:

ـ أي نعم، على الخير والشر، تفضلوا. قال أحدهم:

ـ مد إصبعك.

لم أفهم ماذا يقصدون؛ فتقدم الرجل وأمسك بكفي الأيمن ونظر إلى السبابة، وقال:

ـ سيدي مو مبين شي.

وأنا مثل الأطرش بالزفة. فقال لي المساعد:

ـ وكمان مو رايح على الانتخابات البارحة؟!

فحاولت أن أبدي عذري:

ـ والله يا سيدي جارنا البارحة أنعم عليّ بكلب أجلك الله و…

لم يدعني أكمل مرافعتي. وقال لهم:

ـ يالله، طمشوا. وأضاف:

ـ كلاب ولاد كلاب مو هيك؟ هللق بتعرف مين ابن الكلب.

ورموني في السيارة وانطلقوا، وحينما قذفوا بي في ذلك المكان، أدركت أنني في المكان نفسه الذي كنت فيه يوم لم أخرج إلى المسيرة، احتفاء بالاستحقاق الرئاسي. عند ذلك قلت:

لولاك يا لسان ما انقطعت يا راس.

مقالات ذات صلة

إغلاق