مقالات الرأي

حضور تركي جديد في المشهد السوري

سعت تركيا منذ بداية الثورة السورية إلى أن تكون فاعلة في الملف السوري، ونُقل عن رئيس الجمهورية السابق، عبد الله غول، وغيره من المسؤولين الأتراك، بأن تراجع تركيا واتخاذها موقفًا سلبيًا مما جرى أثناء غزو العراق، جعل الآخرين يتقاسمون نفوذهم فيه، وكانت هي من أكبر الخاسرين، ولا تريد أن تتكرر التجربة العراقية في سورية.

ولكن الانحياز الأميركي إلى إيران كاد أن يخرج تركيا من المشهد، وهذا ما جعلها تعيد النظر في سياستها؛ فحل الخطاب الهادئ والدبلوماسي والمبهم محل الخطاب الحاد المتحدي والواضح. أربك هذا المشهد كثيرين، وساهم ما يسمى “إعلام الممانعة” بتعقيد المشهد أكثر من خلال نقله “أخبارًا”، تفيد بأن الانعطاف التركي تم باتجاه التطبيع مع نظام الأسد.

هذا الجو العام جعل كثيرين يربطون دخول الجيش السوري الحر، بدعم ناري من القوات المسلحة التركية، إلى جرابلس، ومن ثم إلى الراعي، والتوجه -بعد ذلك- إلى الباب، باتفاق بين الحكومتين التركية والسورية، وبموافقة من روسيا وإيران، ورُبطت هذه الخطوة بالمصالحة التركية الروسية، وبتطوير العلاقات بين تركيا وإيران، ولكن الأمور -بعد ذلك- أخذت تتكشف عن أبعاد أخرى، غير تلك التي سادت.

قمة العشرين الصينية أوضحت المشهد أكثر، وتبين بأن الأتراك قاموا بهذه الخطوة بدعم أميركي “محدود”، وغض طرف روسي محدود أيضًا، وكانت تركيا قد تسلمت برنامج “درّب وسلح” الذي بدأته الولايات المتحدة، وفشلت فيه، ودربت ألفًا وأربعمئة مقاتل، على دفعتين، في ثكنات الوحدات الخاصة التركية؛ وحتى الآن، لم يصدر أي بيان حول وجود عدد أكبر من هذا يخضع لهذا البرنامج. والمنطق يقول إن ألفًا وأربعمئة مقاتل لا يمكن أن يغطوا المنطقة الممتدة بين جرابلس وحدود (كانتون) عفرين، بطول سبع وتسعين كيلومترًا، وعمق -حتى الآن- يبدو أنه غائم، وسيتحدد بحسب التطورات اللاحقة.

على الرغم من تأكيد الولايات المتحدة الأميركية رفضها لإقامة منطقة آمنة، فإن الرئيس التركي أكد بأن المنطقة الآمنة أصبحت بحكم الأمر الواقع، وبدأ المهجرون من هذه المنطقة بالعودة فعليًا، وإن كانت الأعداد ما تزال صغيرة.

صحيح أن الخطوة التركية هذه محدودة، ولكن -على ما يبدو- أريد لها أن تكون أنموذجًا؛ من أجل خطوات لاحقة. قدمت تركيا ذرائعها من أجل دخولها هذه المنطقة، وحققت نجاحًا، ولعلها تخطو خطوات أخرى، بناء على النتائج التي تتحقق من هذه الخطوة.

لقد لخص الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، العملية، للصحافيين الذين رافقوه في رحلته إلى الصين، بعبارة مهمة هي: “أصبحنا حاضرين في المشهد”. وهذا يعني أن تركيا بعد أن هُمشت، وأبعدت، عادت من جديد إلى المشهد، عبر خطوة الدخول إلى شمال حلب.

بغض النظر عن التأييد المطلق، أو الرفض المطلق، الذي أظهره بعض السوريين لدخول الجيش السوري الحر، بدعم ناري تركي إلى جرابلس، فإن تركيا دخلت لتحقيق مصالحها بداية، ومن مصلحتها عدم تأسيس شريط على كامل حدودها، يسيطر عليه الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني؛ فتبعات إنشاء هذه المنطقة بالنسبة إلى الأتراك خطِرة على أمنهم القومي.

هناك من التقت مصالحه مع مصالح الأتراك؛ فأيد الدخول، وهناك من تعارضت مصالحه مع هذه المصالح؛ فرفضه، ولكن هذه الخطوة فتحت ملفات جديدة مع الولايات المتحدة، وبدأت تناقش قضية تحرير الرقة والموصل بشكل متزامن، بالمشاركة مع القوات البرية التركية، وتم تحديد أول اجتماع بين وفدين عسكريين: أميركي وتركي، بعد أسبوع واحد فقط من انتهاء أعمال قمة العشرين في الصين.

وبما أن الأتراك يطالبون الولايات المتحدة -منذ سنتين- بالدخول بريًا لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، دون أن يستفيد نظام الأسد، وقد قبلت الولايات المتحدة -أخيرًا- بهذه الخطة، أو قبلت مناقشتها على أقل تقدير، فهذا يعني أن المباحثات بين الجانبين ستتناول الثمن الذي يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة للأتراك، مقابل المشاركة في تحرير الموصل والرقة، ومن المرجح أن يكون الثمن هو نفوذ أكبر في سورية، أو دور أكثر فاعلية في رسم المشهد المستقبلي لسورية، بحيث لا تتعرض مصالحها القومية للخطر.

من المتوقع ألا تجري الأمور بين الولايات المتحدة وتركيا بسلاسة، وصحيح أن المنطقة التي يتم التفاوض عليها هي ساحة عمل الولايات المتحدة، ولكن حليف الولايات المتحدة المحلي، حزب الاتحاد الديمقراطي، لن يقبل بإعطاء تركيا هذا الدور؛ من جهة أخرى، فهل تصمت إيران التي تنظر إلى سورية والعراق بوصفهما محافظتين إيرانيتين إزاء منح الولايات المتحدة دورًا أكبر لتركيا في المنطقة؟ وهناك روسيا أيضًا.

مهما كان المشهد معقدًا، فإن الخطوة الأولى هي انتقال تركيا من الدور المعزول، والمستبعد من أي تفاهمات ولقاءات إلى دور أكثر فاعلية، فقد أصبحت في المشهد، وفرضت، وتفرض، أمرًا واقعًا في حيز معين، وتعمل على توسيع هذا الحيز؛ وحتى تطبيقه في مناطق أخرى من الحدود.

عادت تركيا إلى المشهد، ولكنها مازالت وحيدة، بعد ابتعاد السعودية عن المشهد السوري، ولعل قطر الدولة الوحيدة التي دعمتها في برنامج “درب وسلح”، بحسب ما نقلته الكاتبة المتخصصة بشؤون الشرق الأوسط في جريدة حريت “فردا أوزر”.

صحيح أن تركيا كانت شبه وحيدة في سياستها الأخيرة، ولكن يمكن لهذه السياسة أن تجعل السعودية تعيد النظر في موقفها الذي ابتعد عن تركيا، وهناك محاولات على هذا الصعيد.

لم يعد مهمًا دخول قوة ما إلى سورية، فقد أصبح الجميع فيها، وهذا ما ينطبق عليه المثل الشعبي القائل: “ثقب جديد في الكفكير لا يعيبه”، ولكن المهم هو كيف يمكن للقوى الوطنية المعارضة أن تستفيد من التطورات الجديدة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق