مقالات الرأي

السوريون شعب.. ليسوا قضية

قبل أيام، التقيت صدفة بشاب في الثلاثينيات، بالكاد يتحدّث العربية، يعيش في ماليزيا منذ سنوات طويلة، حيث يعمل في مجال النفط. في جلسة كبيرة تضمّ أصدقاء لبنانيين، ظننته لبنانيًا مغتربًا، وعندما علم أنني سورية، ابتسم وقال أنا سوري أيضًا، فلسطيني سوري؛ انتظرتُ حديثًا مشتركًا عن سورية والسوريين والثورة وفلسطينيي اليرموك، الذين لم تنقصهم الشجاعة ولا الجرأة ليشاركوا كسوريين أولًا، في انتفاضة ضد الاستبداد. سألته إن كان قد خرج من اليرموك بعد الثورة. قال إنه ولد في الإمارات قبل “الأحداث”! ظننت حينها أن والده هو من عاش في اليرموك قبل أن ينتقلوا للعيش في الإمارات. ثم اتضح أن أهله عاشوا في منطقة القصاع وليس في اليرموك، وأنهم موالون للنظام، وأن “الأحداث” كما وصفها، لا تعنيهم في شيء، سوى في تعطيل أعمالهم في حقول النفط السورية.

ذكّرني هذا اللقاء بردود الفعل العنيفة التي وصلتني بعد مقابلة أجريتها في عمّان، مع المنسّق الإعلامي للتجمّع الفلسطيني السوري الحرّ، محمد مشارقة، الذي شارك في التوقيع على بيان يندّد بزيارة رئيس اتحاد الكتّاب الفلسطينيين لبشار الأسد قبل أشهر، وأنا لم أتوقّع ردودًا كتلك، خاصة وأنني ألتقي بكاتب يشاركني الرأي في شرعية الثورة السورية، وفي حقّ السوريين التحرّر من الاستبداد، مثلهم مثل الفلسطينيين. وما زاد من ضيقي هو اقتباس موقع إسرائيلي لأسئلتي وإرفاقها برابط اللقاء، إلا أنه اقتباس سخيف، ويفتقر إلى الحدّ الأدنى من المهنية، كوصفه لي بناشطة فلسطينية، وكاعتقاده بأن محطة “الأورينت” فلسطينية بدورها، وليست سورية، وللموقع الإسرائيلي غاياته التي نعرفها جيدًا، نحن جيل “البعث” الذي انشغل بالقضية الفلسطينية أكثر من انشغاله بقضايانا!

أعادتني ردود الفعل الغاضبة بعد اللقاء، إلى سؤال أساسي عن الوطنية الجمعية، التي لا يمسّها شيء كما يمسّها الاقتراب من القضية الفلسطينية، والاقتراب لا يعني بالضرورة الإساءة، بل الاقتراب من الأفكار الثابتة التي لا يُسمح بإعادة النظر فيها أو بنقاشها حتى! شعوب ثارت، ديكتاتوريات كنّا نظنّها “خالدة” ترجّلت، وخلّفت ملايين القتلى والمعتقلين والمخطوفين والمهجّرين والمحاصرين والجائعين، ومازالت تلك القضية العادلة -بالتأكيد- (هذا خارج السؤال) هي القضية التي تُحدّد وطنية الكائن ومعاييره الأخلاقية ووفاءه.

بما أن القضية الفلسطينية هي قضية كل كائن عربي بالضرورة، ألا يحق لهذا الكائن أن يتساءل لمرة واحدة على الأقل: لماذا هي قضيتنا الأولى؟ مُجرّد سؤال! ألا يحق للكائن العربي أن يتفاجأ من موقف كثير من الفلسطينيين من صدّام حسين عندما أطلق 39 صاروخًا من نوع سكود على تل أبيب، متحدّيًا باقي الزعماء العرب أن يطلقوا صاروخًا واحدًا؛ ليصبح الرقم 40! أصحاب القضية العادلة عشقوا يومها صدام حسين متناسين ملايين المُعذّبين العراقيين أصحاب القضايا العادلة المشابهة، ولم ينشغلوا بما يعيشه العراقيون من قمع وإذلال وقتل وإبادة ورعب، وجعلوا من ذلك اليوم تاريخًا لا يُنسى، تُكتب فيه مقالات المديح وتُعنون بعبارات من قبيل: “يوم أبكينا الكيان الصهيوني”. ماذا عن شعب عربي شقيق، كان يبكيه كل ثانية ذاك الذي أبكى الكيان الصهيوني لحظة واحدة؟

القضية الفلسطينية كانت ومازالت قضية العالم الأولى، لكن، ألا يحق لأصحاب القضايا الأخرى أن يشعروا ببعض الغُبن من تجاهل قضيتهم؟ خاصة أن قضيتهم مرتبطة بشكل وثيق بقضية العالم الأولى، لأنهم في دفاعهم عن قضية الفلسطينيين لعقود، منعتهم أنظمتهم الفاشية، مثلها مثل إسرائيل، من امتلاك قضية عادلة أيضًا، يحق لهم الدفاع عنها؛ منعتهم من امتلاك حريتهم، لأن الشعب الفلسطيني محروم من حرّيته، ولأن بلدًا عربيًا محتلًا، ولأن الوقت غير ملائم للحديث في الديمقراطية والحرية والرأي الآخر وحقوق الإنسان، ولأنهم ادّعوا محاربة إسرائيل، اقتطعوا من رواتب الموظفين الزهيدة، مجهودًا حربيًا، استُخدم -لاحقًا- منذ بداية الثورة السورية في قتل السوريين، وفي تأمين البراميل المتفجّرة لإبادتهم.

إضافة إلى تلك الرسائل المبلّلة بالتخوين لـ “مواقفي الوطنية”، وصلتني رسالة عتب من صديق فلسطيني لأنني قلت إن الأنظمة العربية تعشق القضية الفلسطينية وتكره الفلسطينيين! وسألني عن موقفي لو قال أحدهم هذا الكلام عن السوريين. الجواب بديهي بالطبع، فاليوم، يعيش السوريون تجربة الكراهية ذاتها، والأنظمة العربية والغربية التي تدعم الثورة السورية، لا تُظهر محبّة صافية للسوريين! اليوم، السوري مثله مثل الفلسطيني، كائن غير مرحّب به، يُثير المخاوف والقلق، ووجوده خارج “وطنه المحتل” حيث تُمطر السماء براميلَ وقذائفَ، غير مُريح لتلك الأنظمة، ولبعض الشعوب الشقيقة، التي لم تُخفِ عنصريتها ونظرتها التنميطية، ولن أنسى سائق السرفيس اللبناني الذي لم يتردّد لدى معرفته بأنني سورية من إعلان ارتباطه بـ “حزب الله” ودعمه لـ “المقاومة” في سورية، وللقائد “الوطني” بشار الأسد؛ السائق نفسه “الوطني” و”المقاوم” قال لي: إن مشكلة لبنان ليست إسرائيل بل الفلسطينيين الذين جاؤوا إلى لبنان، و”احتلّوه” وعبثوا بأمانه واستقراره واقتصاده ونظافته!

القضية الفلسطينية هي قضية العالم الأولى، إلا أن بعض النخب الثقافية والسياسية الفلسطينية، جعلت من الشعب الفلسطيني، مجرّد قضية مقدّسة ترتبط وطنية أي مواطن عربي بنظرته إليها، وطرق دفاعه عنها، وثمة تجاهل أساسي لموضوع الوطنية هنا.

هل يخفى على تلك النخب، أن الوطنية وسط الخراب الذي عاشه السوريون لعقود، ارتبطت مباشرة بحبّ “العائلة” والولاء لها ولأجهزة مخابراتها ولرجال أعمالها؟ ألم تسمع تلك النخب بتهمة “الخيانة العظمى” التي كانت تُرمى على كل من يمسّ بالعائلة الحاكمة؟ ألم يؤرقها، في يوم من الأيام، وجود فرع أمن سيئ الصيت، مختص بالخطف والتعذيب والقتل اسمه “فرع فلسطين”؟

المؤسف في الأمر، أن تلك النخب الفلسطينية التي تجاهلت قضايا تحرّر الشعوب الأخرى، وجعلت من قضية تحرّر الفلسطينيين، القضية العربية الوحيدة المُحقّة، ساهمت من دون قصد في الإساءة إلى القضية، كقضية شعب موجود على الأرض، وليس في أدبيات المقاومة والرسوم النضالية السطحية التي لا تخلو من المباشرة والتبسيط والتنميط.

في النهاية، فلسطين هي الفلسطيني المقاوم في الداخل، وليست الكوفية التي يلفّها على رأسه! ومن جملة الإساءات غير المقصودة تلك، دفع الكائن العربي المقهور والمقموع والمنتهك في بلده على يد أنظمة فاشية تحمل الجنسية ذاتها، إلى الاعتقاد المشروع والمحق، بأن التحرّر من القضية الفلسطينية هو بداية تشكيل الوطنيات المستقلة، ومنها الوطنية السورية. وطنيات مستقلة عن الولاء للطغاة ومحاباتهم، مستقلة عن مشروع “المقاومة” المزعوم الذي رسمته الديكتاتوريات والميليشيات؛ لتقتل شعوبها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق