قضايا المجتمع

صحافيو سورية يهشمون رؤوس بعضهم بعضًا

“جار التنظيف من حواضن الإرهابيين، ومش بس بسوريا، راح ينتقل جيشنا البطل للبنان، ما بصير خاصرة سوريا يكون فيها هالقد وسخ”… بوست لـ “صحافية” سورية.

في الذاكرة، غرفة المحقق، وعيوني معصوبة، صوته يملأ المكان، “كثير حلو التقرير، ليكني عّم تابعه مباشر وتعي بكرا، عندي خبرية أحلى من هاي”. إرهابيو ساعة حُمص، سندويتشات الخمسمئة، بندر، قطر”، خلتها تتصل لأجلي، كزميل أُوقف بالأخطاء الأمنية الكثيرة حينها.

في مؤتمر اتحاد الصحافيين،  منتصف 2012، خيمت أجواء نذر الكارثة السورية، لكن الأصوات لم تكن تكفي لوقف النزيف، بعض الأصوات التي تجرأت بما لم يُعتد من قبل، وألمحت إلى ضرورة وقف الحل الأمني، لم تثر ردة فعل داخل أروقة المؤتمر، كون رئاسة الجلسة لم تر فيها من الأهمية ما يستدعي نقاشًا مطولًا، كنا في بداية الاصطفاف، ورص بنيانه للمرحلة اللاحقة، حيث سيتحول الصحافي السوري إلى مقاتل شرس الطباع، يزغرد لانتصارات الجيش، ويقسم بألوهية القيادة، وعلى الضفة الأخرى، عمل بعضهم -لظروف اجتماعية- تحت أجندات سياسية متسرعة، لكن مشهد الانقسام أعمق، ودلالاته باتت أكثر خطرًا، نظرًا لخصوصية المهنة وجمهورها.

صحافية تُعتقل وهي على رأس عملها في صحيفة تشرين الحكومية، والجهة غير معلومة، أصوات تعلو بضرورة الحسم العسكري لمعتقليها، فيما يقبع العشرات في أقبية معروفة الهوية، كيف لصحافي موظف في وكالة الأنباء الرسمية (سانا)، أن يلصق على شفاهه لاصقًا، ويمشي في مدينته دير الزور!

كانت ثمة مطالب جماعية تحاول أن تخفف، أو تُحيّد الصحافي السوري، وأن يكون شاهدًا؛ لشرف المهنة أولًا، ولسورية أصلًا، المطالب اصطدمت بقوة الدولة، وأسئلة أين يكتُب ولمن، وكيف يُعبّر عن رفضه للحل العسكري؛ إذ صدرت التعميمات داخل كل المؤسسات الحكومية، والإعلامية منها خصوصًا، بمنع مشاهدة قنوات “الفتنة”، الرؤية منقوصة إذن، لكن الوقائع مجردة، جرت محاولات أخرى، لبيان إعلامي يجمع القاسم المشترك بين زملاء المهنة، وأبناء البلد الواحد، الخوف يعج في المكان، المختلف في الرأي يمكن اطلاعه على البيان، لكن نهاية الجميع حاضرة.

أصل الجذر وتهشيم الرؤوس

الانشقاق لأول إعلامي سوري منتصف 2011، قد يحرك السكون، حسنًا، نحذفه نهائيًا، هو ليس سوريًا، هل هو إعلامي أصلًا؟ أين كان يعمل؟ شهادات جاهزة بعمالته، مريض نفسي، لا طائل من المحاولة، صف من التوصيفات تقتل أي أمل.

الصحافي علي عيد، رئيس رابطة الصحافيين السوريين، يعدّ التضييق “كان مقصودًا؛ لتجذير العداء السوري – السوري، مباشرة بعد الثورة حدث انقسام شاقولي داخل الجسم الإعلامي السوري، نتيجة الخطاب الدموي، ولغة الشيطنة والتخوين تجاه شريحة محددة، فكانت النتيجة سيطرة شخصيات ترتبط بمصالح مع النظام، مع أخرى تبنّت فكرة الخطر المحدق بالطائفة، ولاحقًا تم استنفار أبناء الأقليات للانخراط في إعلام النظام المريض”.

ويتابع: “الإعلاميون الذين رفضوا خطاب الدم، وانحازوا إلى الشارع، أصبحوا إما خارج البلاد، أو تم اعتقالهم وتصفية قسم منهم، ولا يخلو الأمر من وجود إعلاميين رفضوا خطاب النظام، وبقوا داخل سورية، إلا أن لغة التعبير عندهم ذهبت إلى المساحة الرمادية، بفعل الخوف لا بفعل الحكمة”.

بقيت الأسئلة الموجعة تبحث، علّها تجد فارقًا بين قراءة وأخرى، فما الذي دفع بزملاء المهنة السورية، إلى هذا الفرز غير المسبوق. الصحافي حسين الزعبي، يقول: “ما يدفع صحافيًا إلى تبني موقف نظام قاتل، لا يخرج -في عمومه- عن ثلاث حالات، الأولى مكتسبات أغراه بها النظام، كتحسين موقعه الوظيفي، أو إبرازه إعلاميًا وتحويله إلى نجم عند جمهور النظام. أما الثانية، فهي الارتداد الطائفي، وهنا أشير إلى المنتمين للطائفة العلوية، وكذلك تبنّي بعضهم الآخر توجّه المؤسسة الدينية عند بعض الطوائف، وهي بالعموم مؤيدة للنظام، أما الحالة الثالثة، فهي عدم القدرة على تحمل تبعات الخروج على النظام، ومغادرة سورية، وما يترتب عليها من متاعب وأثمان وتشرد”.

هناك في سورية، تجري هذه الأيام، المرحلة الأولى من انتخابات اتحاد الصحافيين، لاختيار أعضاء المؤتمر العام السادس، وسط غياب عشرات الصحافيين، ومقتل المئات وتصنيف سورية كأخطر البلدان على الصحافيين، لكن يُحسب للمؤتمر -سلفًا- أنه لن يسمع صوتًا “نشازًا”، كما سابقه الخامس، فالاصطفاف وضح، وبرعاية الاتحاد ذاته، وبات الاشتباك الصحافي – الصحافي، يحتاج إلى مؤتمر دولي لفك الاشتباك بين زملاء المقعد والمهنة.

وعن البنية الأساسية للإعلام السوري، طوال أربعة عقود ونصف العقد، يقول عيد: إنها “كانت تقوم على أفكار ديماغوجية، تعدّ الشعب قطيعًا، وتقوم على تعزيز فكرة النظام المرتبط بقضايا التحرير والقومية العربية، وعلى مفهوم القائد الوحيد البطل، وطوال تلك الفترة كانت الولاءات والأقلام تشترى، كما هو الحال في مختلف القطاعات، أضف إلى سياسة المنع المتبعة، وانعدام حرية الرأي والتعبير والصحافة”.

ويضيف: “تلك البنية، على الرغم من محاولات فردية فاشلة لخرقها، أنتجت لاحقًا نمطًا من الإعلام الجبان، وبالضرورة، فإن كل العاملين فيها سيخضعون لمعايير السلطة، ومن يخرج عن هذه المعايير، تتم محاسبته وإقصاؤه؛ لذلك، فإنك لا تجد نجمًا إعلاميًا سوريًا حقيقيًا داخل مؤسسات الإعلام السوري طوال تلك الفترة، مع أن المجتمع السوري أفرز إعلاميين ومثقفين بارزين حققوا حضورًا لافتًا خارج البلاد، ومسألة أخرى لعبت دورًا في تضييق الهامش وضبط الخطاب، وهي فرض إدارات طائفية أو شديدة الولاء في المفاصل الحساسة”.

لم يعمل صحافي سوري معارض، على الدعوة للسحق، بقي يحاول الصحافة بين أتون الحرب، حتى في استعدادات واشنطن لحملتها عقب كيماوي الغوطة، لم يُشجّع صحافيو المعارضة، وقفوا حائرين بين رغبتهم وأهلهم ومجتمعهم بالانعتاق، وبين النيران التي يمكن أن تأكل الأبرياء، ثم وقعوا -لاحقًا- ضحايا القوى المتطرفة، التي قتلت الجميع، ليبقى السؤال المحيّر، ما الذي أراده النظام من عسكرة الصحافيين؟ أفراحهم حاضرة على ضحايا بلدهم، في درايا وحمص ودرعا، وليس نهايتها شادي وكنانة، في حلب والكاستيلو.

حتى من اختار طوعًا الوقوف في منتصف العسكرة، خسر الرهان أمام جبروت الصحافي العسكري، على الرغم من تحوله إلى شيء لا علاقة له بالصحافة، الحدث، الخبر، الموت، الهجرة، النزوح، الدمار، الروسي والأميركي، العالم في سورية، وهم يكتبون عن كل شيء خارج سورية، ليكن، فهذا أفضل من العسكرة هنا أو هناك، هذا ما نراه، لكن عسكر الصحافة لا يقبل.

كتبت -المنسقة مع الجوية ذاتها- لزملائها، ممن اختار الوقوف صمتًا، دون موقف سياسي معلن: “لو ترجعوا لأصلكم راح تلاقوا، جينات الخيانة بالوراثة، ولّا نسيتوا أنكم من حماة”.. الأسد ذاته قال: “الوطن ليس لمن يحمل جواز سفره، الوطن لمن يدافع عنه”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق