تحقيقات وتقارير سياسية

فايز سارة: الائتلاف في حالة عطالة وتعطيل

أكّد عضو في ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية أن وثائق الائتلاف الأساسية فيها “هشاشة”، وقال بأنها تحوي كثيرًا من الشعارات، لكنها لا تحمل رؤية واضحة، وقوة فعالة قادرة على التجديد، ووصف وضع الائتلاف اليوم بأنه “في حالة عطالة”.

وقال عضو الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، فايز سارة، في لقاء مع (جيرون): إن “حلفاء الشعب السوري” أثبتوا أنهم ليسوا بمستوى الجدية في التعاون مع الائتلاف والشعب، وانتقد الأمم المتحدة التي ندد بقيامها بدعم النظام السوري وأذرعه، في حين لم يتلقّ الائتلاف الدعم الكافي، لا سياسيًا ولا ماديًا ولا عسكريًا؛ لمواجهة هذا النظام وحلفائه.

ويمر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والعارضة السورية -اليوم- بمرحلة صعبة، من حيث غياب الدعم السياسي والمادي عنه، وهذا ما يجعله في حالة ركود على مستوى النشاط الفاعل، كما أن عدم احتضان الائتلاف أطياف المعارضة السورية كافة، جعل المحور الآخر يشكك في كونه ممثلًا للشعب السوري وطموحاته.

 

أمل الاحتضان الكامل لقوى الثورة

كان المجلس الوطني السوري يعاني من مشكلات كثيرة، أبرزها عدم احتضانه جميع أطياف المعارضة السورية، الأمر الذي جعله في موضع ضعف سياسي أمام المجتمع الدولي، كما أن البنية التركيبية للمجلس الوطني كانت إشكالية، ولا سيما أن التيار الإسلامي يغلب عليه، في مقابل التيارات الأخرى (الثورية، الليبرالية، الديمقراطية، واليسارية)، وهو ما أدى إلى فقدانه جزءًا كبيرًا من الحاضنة الاجتماعية السورية؛ تلك الأوضاع وأخرى غيرها، أدت إلى ظهور فكرة “الائتلاف” عند المعارضة، أملًا في توحيد الصفوف والرؤى حول سورية ومستقبلها.

وحول الشروط الموضوعية لظهور الائتلاف، وأهم أهدافه النظرية، قال سارة: “كانت قيادة المعارضة قبل الثورة مُشتتة، وعند انطلاقها أصبح هناك جهد لتوحيد المعارضة، هذا التوحّد واجه صعوبات، بعضها موضوعي، وبعضها ذاتي يتعلق ببنية المعارضة، وباءت تلك المحاولات بالفشل حينها”.

وأشار إلى أن هذا الفشل “جعل المعارضة، على الأقل في الداخل، تُرسّخ رأسين، هما إعلان دمشق وهيئة التنسيق، وفي الخارج تَبلور اتجاه يغلبُ عليه الخارج، ووسط هذه الأوضاع جاء تشكيل المجلس الوطني، والذي شاركت فيه قوى من الداخل، مثل: إعلان دمشق وبعض التنظيمات الأخرى، لكن المجلس الوطني، في بنيته وتركيبته، لم يستطع أن يكون قيادة فعلية للمعارضة السورية، وهذا فرض تدخلات إقليمية ودولية؛ لبلورة، أو المساعدة في إيجاد قيادة جديدة للمعارضة، وهو ما أثمر عن ولادة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في مؤتمر الدوحة عام 2012”.

وتابع: “بالفعل، تم تأسيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، عقب اجتماع أطياف المعارضة السورية في العاصمة القطرية الدوحة، ولأن الائتلاف كان وليد رغبتين (سورية ودولية)؛ استطاع أن يحصل على اعتراف نحو 110 دول، عربية وأجنبية، على أنه الممثل الوحيد والشرعي للشعب السوري، كما أعلنت أغلب الدول -حينئذ- إسقاط شرعية نظام الأسد، مقابل شرعية الائتلاف”.

وعدّ أن هذا الاعتراف الدولي “قدّمَ للائتلاف شرطًا سياسيًا، بأن هناك دول تدعم قضية الشعب السوري، لكن هذا الشرط السياسي لم يكن كافيًا في الحالة السورية؛ لأن الهَمّ لم يكن سياسيًا فحسب، ولاسيما عندما يكون هناك شعب يتعرض لكل هذا الدمار والقتل”.

وافتقد الائتلاف، بحسب رؤية سارة، إلى نوع آخر من الدعم، وهو دعم الشعب للدفاع عن نفسه، وقال: “لا قوة، ولا إغاثة، ولا احتواء للاجئين ومشكلاتهم، والحقيقة أن ما تم خارج الإطار السياسي كان ضعيفًا جدًا، وخاصة المجال العسكري، وهذا لا يعني أننا نحبذ العسكرة، لكن ماذا بشأن الناس وحقهم في الدفاع عن أنفسهم في وجه ليس نظامًا مستبدًا قاتلًا فحسب، وإنما في وجه تحالفات إقليمية ودولية أصبحت شريكة في قتل السوريين؟”.

 

إنجازات محدودة ومشكلات داخلية

اعتبر سارة أن وجود الائتلاف مظلةً سياسية للسوريين، هو بحد ذاته “إنجاز”؛ لأن “أصعب الأشياء في الحياة هي ألّا تمتلك بيتًا، حتى وإن كان متواضعًا وفيه مشكلات، وغيابة يعني أن هناك تشويشًا أكبر على القضية السورية، وقد حاول الائتلاف على مدار الوقت أن يكون مركز حوار واستقطاب للجماعات السياسية والعسكرية ومنظمات المجتمع المدني، وقضايا اللاجئين والمهجرين والمفقودين والمعتقلين”.

لكن لم تؤتِ هذه المساعي نهاياتها، بسبب افتقار الائتلاف للدعم الكافي من أجل القيام بمهامه، وحول ذلك أوضح سارة أن الائتلاف “وبعد حوالي ست سنوات، استُنزفت قدراته؛ وهنا أقصد القدرات المادية التي تسمح له باستكمال أعماله وقيامه بالأنشطة العملية، وليست القضية في إصدار بيانات، اليوم الائتلاف وكل قوى المعارضة -تقريبًا- عند حد الصفر من حيث الإمكانات، وهذا يجعل الدور الذي يمكن أن تقوم به دورًا ضعيفًا”.

لكن المشكلات الداخلية للائتلاف طغت في كثير من الأحيان عليه، وأثّرت في أدائه، وأبعدت المؤيدين من حوله، وهو ما يؤكده المعارض السوري الذي قال: “لقد حمل الائتلاف أمراض المجلس الوطني، وخلال سبعة أشهر بدأت تنحط قوته ويخف زخمه، وبدأ يثبت أنه عاجز عن فعل أي شيء، ولو عدنا إلى وثائق الائتلاف الأساسية، سنرى فيها هشاشة، فهناك شعارات، ولكن لا توجد رؤية واضحة وقوة فعالة قادرة على التجديد، لا يوجد برنامج واضح، والشعارات لا تكفي لخوض معركة سياسية، ولاسيما بصفتك ممثلًا للثورة والشعب السوري”.

وأضاف: “يمكن أن تكون مشكلات الائتلاف اليوم في حدها الأدنى، لكنها موجودة، فهناك مشكلات في قضايا التمثيل، ولا يعكس طبيعة التمثيل الديمغرافي في سورية، وهناك بعض الطوائف السورية تمثيلها ضعيف جدًّا، كما أن وجود النساء في أضعف مستوياته، ولا يعكس تمثيلهن الثوري الكبير خلال أعوام الثورة، وهناك أيضًا صراعات بينية في الائتلاف، على الرغم من أنها في حدها الأدنى، كما أن هناك مسحة دينية تطغى عليه، وهذا أمر لا يتناقض مع أهداف الائتلاف ومساعيه لإقامة دولة ديمقراطيّة ومدنيّة فحسب، وإنما يأخذ الثورة والائتلاف نحو سيطرة إيديولوجيا دينية كذلك، وهذا ما يُلقي بظلاله على أداء الائتلاف”.

ولفت سارة الانتباه إلى أن الائتلاف “لم يمتلك آليات جديدة، وهو يجني أحد ثمار هذه المشكلة اليوم، فهو غير قادر على فعل شيء في ظل تركيبة معينة، وكل هذه المشكلات تستند إلى جذر واحد، هو أن الائتلاف فشل في إحداث نقلة على صعيد بنيته الداخلية، التي كان من الممكن أن تسمح له بالخروج من هذه المشكلات أو معالجتها”.

 

سياسة الأسد وتواطؤ المجتمع الدولي

اتُهمت المعارضة السورية -على مدار ست سنوات- بأنها عاجزة عن خلق قيادة فعلية، تستطيع إقناع العالم بنفسها كبديل حقيقي وفعلي لنظام الأسد، من حيث التركيبة السياسية والبنية المؤسساتية والرهان الاجتماعي، الأمر الذي تذرع به المجتمع الدولي لعدم استعجال انتزاع السلطة من الأسد.

وحول هذه الحال، قال سارة: “إنه نتاج عهد طويل من الظلام على الجماعات السياسية والفكر السياسي وعلى الظاهرة السياسية في سورية، خلال فترة حكم حافظ وبشار الأسد، وهو ما لعب دورًا أساسيًّا في تهميش أهمية الدور السياسي، حيث لا أحد في سورية -ما عدا قلّة- كان يؤمن بأن السياسة حاجة، وهذا بفعل نشاط مُنظّم من السلطة وحزبها والأحزاب التي دارت في فلكها. كما كان هناك ضعف في السياسة والشخصيات السياسية في سورية، وهذا لا يخص المعارضة فحسب، بل حتى في شخصيات الحراك الثوري الذي أنتجت الحراك المدني في سورية، والنظام لجأ إلى قتل كل هؤلاء واعتقالهم”.

وأشار إلى أن “حركة سياسية معارضة بهذه المواصفات، وفي ظل هذا الضعف، وفي ظل آثار المرحلة السابقة، كان صعبًا عليها أن تبني قيادة”، وأكّد على أن “الدول القريبة من المعارضة لم تحاول مساعدة الائتلاف، ولم تحاول مساعدة المعارضة -عمومًا- على استدراك الوضع وتطوير نفسها، والتقدم نحو مهماتها، بل على العكس، دائمًا كانت تخلق لها أوضاعًا تزيد من ضعفها، وهكذا وصولًا إلى تجاهلها”.

وأضاف: “منذ عام 2014 -حين عُقد اجتماع للمجموعة الصغرى لأصدقاء الشعب السوري في السعودية، وتم تغييب الائتلاف عنه- يمكن القول إن المعارضة ما عادت موجودة؛ وبالتالي، هذا جعل الائتلاف في المجهول، ولم يعد قادرًا -لأسباب متعددة- أن يكون رقمًا سوريًا، وعلى الرغم من ذلك، لا يوجد أي مبرر لغياب الائتلاف عن الواجهة”.

 

أين الحل؟

يرى سارة أن الائتلاف -اليوم- “في نقطة عطالة وتعطيل”، وقال: إن هذا الشيء “لن يستمر، فإما أن يجدد الائتلاف نفسه -وهذا ليس أمرًا سهلًا-  أو أن تتاح فرصة لجزء من الائتلاف، أو مجموعات من شخصيات وأحزاب معارِضة، أن تُشكّل رديفًا، ثم بديلًا للائتلاف، حتى لا يحصل هناك انقطاع في عمل الممثل للشعب السوري من الناحية السياسية”.

وأعرب عن قناعته بأن المَخرج -اليوم- يمكن أن يكون في قيام الائتلاف بـ “المشاركة مع الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية، وشخصيات، بالدعوة إلى مؤتمر وطني عام، وهذا المؤتمر يكون مناطًا به إنجاز ثلاث نقاط: الأولى؛ تثبيت رؤية برنامجية للمؤتمر، بوصفه قوة تأسيس جديدة لتكتل سياسي وطني سوري، سواء حمل اسم الائتلاف أو حمل أي اسم آخر، والثانية؛ أن يقرّ المؤتمر خارطة طريق قابلة للتنفيذ، آخذًا في الحسبان كل المعطيات الأساسية، والتي هي اليوم تحت اليد، والثالثة؛ انتخاب هيئة قياديّة تتولى ترتيب كل المسائل السياسية، البرنامجية، والتنظيمية، على الأقل خلال فترة انتقالية، ربما يكون دورها قريبًا من النص الذي احتواه الائتلاف عند تأسيسه، بأنه تحالف سياسي قائم إلى حين سقوط النظام، وبعد ذلك يُفتح أفق سياسي جديد، كما يمكن أن يكون أبعد من ذلك”.

 

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق