أدب وفنون

الغراب الأبيض أو “فينومينولوجيا” الغرف المقفلة

إنَّ المفهوم “الفينومينولوجي” للغرف المقفلة قديمٌ قِدم الوجود الإنساني، وذلك من حيث الكيفيَّة التاريخيَّة التي حكمت سيطرة دولة ما على دولةٍ أخرى، إلَّا أنَّه منذ نشوء الاستعمار الغربي، ومحاولته السيطرة على ما أُطلق عليه -في غرفةٍ فينومينولوجيَّةٍ ما- تسمية “العالم الثالث”، حُوِّرتْ تلك الكيفيَّة؛ لتصبح ذات مدلول فينومينولوجي أعمق، وذات أساس براغماتي فاضح.

هذه الفينومينولوجيا هي التي تحكم الطاغية، من جهة، وتحكم الشعب، من جهةٍ أخرى، وأيضًا، هي التي تحكم الطاغية والشعب معًا؛ لذلك، فهي لم تقفز قفزًا من الحدث السياسي إلى الحدث الفينومينولوجي، إلا بعد أن أخذت ترى الحقَّ الذي تريد، وتدعو إليه؛ فاحتاجت إلى اعتمالٍ واحتشادٍ، وكلَّفتْ نفسها ضدَّ ما تدعو إليه الفطرة البشريَّة.

هذا الاعتمال والاحتشاد في تلك الغرف المقفلة، هو الذي جعلنا نقرأ على صفحات التواصل الاجتماعي كلامًا من قبيل: “ضاعت الطَّاسة”، و”والله ما عم نعرف شو عم يصير”، و”ما عم تعرف مين الصَّادق”، حتى أنَّ إحدى الصديقات كتبتْ: “كلَّما قلت بأنني بدأتُ أفهم ما يجري في سورية، اكتشفتُ أني لم أعدْ أفهمُ شيئًا”.

وفي هذا الاعتمال والاحتشاد، لابدَّ لكَ من أنْ تبذلَ الكثير لتدركَ القليل، لأنّ التلبيس والتدليس مذهبٌ مدروسٌ، ليس على مستوى الجهات العلمية والثقافيَّة فحسب، وإنَّما على المستوى السياسي والتنظيمي كذلك.

إنَّ سبب اتِّباع هذه الفينومينولوجيا هو أنَّ “الوطن إذا عَمِيَ عن الجهة التي يأتيه منها الخطر، يكون قد هلك، أو يكون كالشَّاة التي تحفر بظلفها حتَّى تستخرج السكِّين التي تُذبَحُ بها “وهنا استعرتُ كلام الدكتور محمد أبو موسى، في مقدمة كتاب الجاثية، هذا العماء هو الذي يُصيِّر الخائن مقاومًا والمقاوم خائنًا ويلتبس الأمر على الجماهير فتحملُ الطَّاغية على كتفيها، وتقول: “عاش القائد الخالد”.

إنَّ التطوُّر التكنولوجي الهائل أدّى إلى سيطرة الإعلام -بجميع وسائله- على صناعة الخبر، هذا التطور هو الذي نقل سياسة الغرف المقفلة من حيِّز المفهوم الأيديولوجي، الخاص بحدث سياسي معيَّن، إلى مبدأ التقيَّة السياسيَّة، والتي أثبتت نجاحها في السيطرة الداخلية والخارجية على بلادنا، أكثر من الصراع المسلَّح المباشر.

منذ فشل الحروب الصَّليبيَّة، وإدراك العالم الغربي أنَّ الصراع المسلَّح المباشر، لن يحسم المعركة لصالحه، حينئذ التقف مبشِّرو ذاك العالم مقولة “إليوت” الشَّهيرة: (إنَّ الاجتذاب الديني عن طريق الاجتذاب الثقافي أمرٌ مشروع).

وبدأوا بإعداد الكوادر التي يريدونها، من رؤساء ومفكِّرين وكتَّاب وباحثين وعلماء وسياسيين، إلى أن تبنَّينا غرفهم المقفلة، وأصبحنا نحكم بعضنا بعضًا بغرفٍ مقفلة، لا نعرفُ ما في داخلها، وصدَّقنا بأنَّ الغراب الأبيض سيقودنا إلى النهوض.

مع انطلاق ثورات الرَّبيع العربي، انكشفَ عددٌ كبيرٌ من تلك الغرف، وأُوجدتْ على الفور غرفٌ أخرى، شوَّشتْ ذهنيَّة الجماهير وأربكتها، في سورية -مثلاَ- الحالة الأقسى على الصعيدين العربي والدولي، فمنذ غرفة حق الفيتو، إلى غرفة المراقبين الدوليين، وغرفة الكيماوي خطٌّ أحمر، إلى الغرفة الحمراء المقفلة بين روسيا وأميركا وإسرائيل وإيران، وأخيرًا ما حدث في شمالي سورية من سيطرة الأكراد على منبج، من خلال محاربتهم تنظيم الدولة “داعش”، على الرغم من وجود قوى النظام في “مناطقهم”، والذي على ما يبدو محكومٌ -هو الآخر- بغرفةٍ مقفلة بمفتاحٍ أميركي.

في جرابلس غرفة التدخُّل التركي المباشر، المفروشة بسلسلة طويلة من الصِّراعات بين تركيا والأكراد من جهة، وتركيا والغرب من جهة أخرى؛ لأنَّ لا إيران ولا تركيا ستسمحان بقيام دولة كردية، واستخدام الفزَّاعة الإيرانيَّة في منطقة الخليج يوازي الفزَّاعة الكردية في سورية وتركيا والعراق وإيران.

وأيضًا ما حصل على الصَّعيد الدَّاخلي، من فكِّ الحصار عن حلب وظهور الجولاني علنًا، وتغييره اسم ” جبهة النصرة “، وتهجير أهالي داريا إلى الشَّمال السوري، والحديث عن تهجير بلدات أخرى، بالتَّزامن مع فتح معركة حماة.

هناك دولٌ أُريد لها أن تنهض، الصين، اليابان، سنغافورة، وكوريا الجنوبية، هي دولٌ أُريدَ لها أن تنهض،ْ وذلك بعد صعود نجم القوة الأميركية إبان الحرب العالميَّة الثانية؛ وحتى الآن.

اليابان التي كانت تمثِّل تهديدًا مباشرًا لأميركا في الحرب العالميَّة الثانية، وألمانيا كذلك، أُريد لهما أن تنهضا على حساب دولٍ أخرى، استنادًا إلى النظرة اليهوديَّة تجاه العالم، الهند كانت خارج تلك الحسابات اليهودية في صنع العالم؛ لأن لها دورًا آخرًا تقوم به مع باكستان، كوريا الشمالية أيضًا لها غرفتها المتميِّزة على حساب الحرب الباردة، الغرفة الأكبر منذ سقوط الاتحاد السوفياتي؛ وحتى الآن وهذا ما أكده نعوم تشومسكي في كتابه “والغزو مستمر”، ومالك بن نبي في كتابه “بين الرَّشاد والتيه”.

إيران أُريدَ لها النهوض بعد أن استُعمرت البلاد العربية، وغُلّفت بغرفٍ مقفلةٍ كثيرة، بدءًا من الرُّؤساء وانتهاءً بمنهاج التعليم في المدارس، وتحريف تاريخ المنطقة، وسرقة آثار أهليها وعلومهم ومخطوطاتهم؛ لدرجة نزع أغلفة المخطوطات العربية، وإلصاق بدلًا منها ونسبها إلى رجالٍ من اليهود، وتغيير أسماء العلماء من أمثال “ابن سينا” أصبح “أفيسين”، “الفارابي” أصيح “فرابيوس”، “ابن رشد” أصبح “فيرويس”، و”ابن باجة” أصبح “أفمياس” والرسول العربي الكريم محمد (صلى الله عليه وسلَّم)، أصبح “ماوميه”، وهذا بحسب كتاب “حملة المنافقين الفرنسيس” للدكتورة زينب عبد العزيز.

إذن، إيران أُريدَ لها النهوض لما تمثِّله من حرسٍ دائمٍ وقوي لمنطقة الخليج عمومًا. هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى لاستنادها إلى مبدأ التقيَّة السياسية على صعيد الدولة والمجتمع والفرد؛ إذْ إن هذه التقيَّة هي دينٌ يُتعبَّد به، والتي تمثِّل الشرنقة السياسية بالنسبة لفينومينولوجيا الغرف المقفلة واستطاعت -من خلالها- تشويش ذهنية الجماهير ونشر أيديولوجيا مشوَّهة، تعتمد “المقاومة” كمادة مخدِّرة لشعوب المنطقة، وقد نجحت إلى حدٍّ كبير في ذلك.

وأيضًا اعتماد مبدأ التكتُّلات الدِّينية الطائفية المسلَّحة؛ لتمزيق المنطقة، وخلق البلابل في كل العالم العربي والإسلامي، وما تسليمها العراق من أميركا إلا فتحًا لبوَّابة السيطرة تلك.

“كردستان العراق” أريد لها أن تنهض نهوضًا خائفًا، على حساب المنطقة؛ لإضفاء طابع إعلاني دعائي على نجاح الدولة القومية في مواجهة الإيديولوجيا الدينية الأوسع في المنطقة العربية.

إذن؛ في عصرنا الحالي اتَّسعت دائرة الغرف المقفلة، لتصبح أكثر حضورًا في وسائل الإعلام، والتي أخذت تصبح المحرِّك الأساس لعقليَّة الجماهير خصوصًا بعد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وعلى رأسها الفيسبوك وتويتر واليوتيوب، وأخذها دور المربي والمثقِّف الذي يغرس الكذب والخداع والنفاق السياسي في عقول وقلوب الناس؛ وبالتالي، يتقزَّم انتماؤهم إلى أمتهم، وتتزعزع ثقتهم بأنفسهم أمام حجم ما يحاك لبلادهم من أهوال؛ لدرجة أنَّ كلمة الرئيس الأميركي، أبراهام لنكولن: “إنَّ التغرير بالفرد أمر ممكن، ويمكن التغرير بالشعب يومًا أو يومين، ولكن لا يمكن التغرير بالشعب كلَّ يوم”، لا تكون صحيحة أمام خطر هذا التَّشويش.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق