قضايا المجتمع

(التعفيش) نيشان آخر للنظام وميليشياته

عندما يصبح الدم مستباحًا ويغدو المواطن، ابن البلد، رخيصًا، والميزان -هنا- بيد الذين من المفترض أنهم القائمون على حماية المواطن، لا شك في أن كل الخسائر ستكون بعد الإنسان ليست ذات قيمة؛ فمنذ أن سقطت أولى الضحايا، قبل أكثر من خمس سنوات، برصاص عناصر الجيش والأمن الأسدي، عندما خرج السوريون يطلبون الحرية والكرامة، كانوا يدركون أن هذا النظام لا رادع له، وليس لديه أي معايير أخلاقية، وأن هذا الجيش الذي بناه النظام بمعاييره الخاصة لن يتوانى عن القيام بأي فعل، مهما كانت توصيفاته ودرجة انحطاطه.

سادت منذ الأيام الأولى لاقتحام عناصر الجيش والأمن المدن والقرى ظاهرة “التعفيش”، وهو مصطلح أطلقه الناشطون -حينئذ- على عملية سرقة المنازل التي يقتحمها أولئك العناصر، بعد تهجير أهلها، أو قتلهم داخل المنزل، لكنها كانت ظاهرة بارزة في المناطق التي يكون التهجير فيها كبيرًا، وتكاد تكون خالية من أهلها.

من المتوقع أن قلة من السوريين، أولئك الذين استغربوا هذه الظاهرة، فالسوريون يعرفون أن النظام، بكل مسؤوليه وعناصر أمنه وحماة دياره، وليس ديارهم، اعتاد سرقتهم في العلن، وتحت كثير من الشعارات والقوانين المرسومة على مقاسهم.

لكن حماة الديار جعلوا ظاهرة “التعفيش” -هذه- صورة مقززة، فاقت كل التصورات؛ حيث تمت سرقة الأثاث والأدوات المنزلية على متن الدبابات والآليات العسكرية التي دفع الشعب السوري أثمانها من عرقه وضنك عيشه؛ لتُنقل إلى مدن ومناطق أخرى تباع هناك، في ما بات يُعرف بأسواق السُّنة، والتي أقيمت منذ السنوات الأولى للثورة، وربما لن تكون نهاية تلك الأسواق البضاعة التي سُلبت من منازل مدينة داريا -في الآونة الأخيرة- بعد خروج أهلها، واقتحامها من عناصر النظام وميليشياته؛ لتباع في مناطق عدة من مدينة دمشق، وغيرها من الضواحي المجاورة.

لا بد من تأمل هذه الظاهرة مليًا، ومحاولة تحليلها ودراسة الحالة الاجتماعية والأخلاقية لمن يقوم بفعل السرقة في ظروف الحرب، وهل العداء الذي يسود بين الطرفين المتحاربين يحلل ويجيز هذه الظاهرة، والتي يمكن إدراجها تحت مسمى غنائم الحرب، والتي ندرك جميعًا أنها ظاهرة ليست جديدة في الحروب؟! في الحقيقة ما جرى في سورية، منذ اندلاع الثورة في آذار/ مارس من العام 2011، كان أكبر من كل الاحتمالات، على الرغم من الطغيان والفساد الذي سيطر لنصف قرن على جغرافيتها كاملة، لكن بقي احتمال أن تبقى بعض النفوس متمتعة بقدر قليل من الكرامة والأخلاق واحترام الجار؛ ما يجعل صاحبها مترفعًا عن تلك الأفعال المشينة، لكن في المقابل، من استسهل حمل السلاح في وجه جار الأمس، بل تلذذ بسماع أناته تحت ضربات سياطه وركلات حذائه، من المؤكد لن تعتمل النخوة والشهامة في وجدانه أمام سرقة منزله واستباحة ما بقي من ذكراه وإنسانيته، بل كانت حالة التشفي بكل ما يمت للضحية من صلة، إلى درجة طمس ومحو كل أثر لها وإبادته بالكامل، وهو الشعار الذي ساد بين المليشيات التي ساندت النظام، من عناصر الدفاع الوطني واللجان الشعبية، تلك التي كانت تقوم بالأفعال الإجرامية -تطوعًا في البداية- ودون الحاجة لمن يرسم لها طريق الإجرام، أو يعبئها بمشاعر الحقد والانتقام، ضد من وقف في وجه النظام؛ فكانت أشبه بحالة غرائزية دون أن تعطي نفسها فرصة التفكير بما تقوم به، ولماذا تفعل ذلك، وهنا السؤال الحقيقي، كيف يمكن للأخلاق أن تتجزأ، وكيف يمكن للمجتمعات أن تكون طيبة كريمة في الأحوال الطبيعية من الحياة، وتصبح في أعلى درجات الانحطاط والتدهور عندما تدخل مراحل استثنائية.

لكن ربما بدراسة تحليلية بسيطة، سنجد أن من قام بفعل التشبيح مع النظام، ومن ثم شارك في القتل و”التعفيش”، هم في الغالب، أولئك المنحدرون من أسر ضعيفة في التربية والأخلاق، أو الذين قبلوا في الأحوال الطبيعية المضي في متاهات النظام وطرقه الفاسدة، وكانت لهم بعض الامتيازات، أو حتى كانوا يقبلون بعض الفتات من بقايا النظام ومسؤوليه قبل الثورة؛ وبالتالي، إن كان مستغربًا ولوج بعضهم في تلك الدهاليز المشينة، فليس من المستغرب وجود كثيرين في ذلك الجانب الطبيعي لهم، وربما هم أنفسهم أولئك الذين كانوا يستقوون على الآخرين، إن كان أمام كوة فرن للحصول على بضعة أرغفة، أو أمام باب باص أو سرفيس.

أما عناصر الجيش، وما قاموا به، فهنا حكاية أخرى، أو تتمة سلسلة من رواياته المغرقة في الفساد على مدار عشرات السنوات، منذ بناه البعث والأسد بأيديولوجيا تلائم طغيانه، وتحمي عرشه، فهو الجيش الذي لم يُبنَ لحماية الوطن والمواطن، وتربى عناصره على السرقة والابتزاز، بدءًا من ضباطه الكبار حتى أصغر جندي، وتنوعت السرقات بين المبالغ المادية الكبيرة التي كان الضباط يحصلون عليها من العناصر؛ للسماح لهم بالبقاء في منازلهم، وهو ما عرف بـ “التفييش”، إلى سرقة طعام من لا مال له، وكان يخدم بشكل نظامي في الثكنات والمواقع العسكرية، وبين هذه وتلك، كثرت السرقات وتعددت أسبابها، ولا يخلو حاجز من الحواجز التي قطع بها الجيش وعناصر الأمن أوصال المدن والشوارع من تلك السرقات؛ حتى أصبحت بعض المسميات تطلق على معظمها، كناية عن عمليات السطو التي تتم فيها من صغائر الأشياء إلى كبائرها.

لكننا لو عدنا إلى سبعينيات القرن الماضي وثمانيناته، عندما دخل الجيش السوري إلى الأراضي اللبنانية دفاعًا عن العروبة، لحضرت الذاكرة -بشكل جلي- عن ذلك الجيش العروبي الذي كانت سياراته وناقلاته تعود إلى سورية محملة بالبضائع والأثاث اللبناني، حتى بات الجيش السوري -حينئذ- شركة خاصة لنقل المهربات والممنوعات والمسروقات من لبنان إلى سورية؛ فالجيش الذي تسرق عناصره الثياب من حبال الغسيل، لن يقف عفيفًا الآن أمام أثاث وأدوات أصبحت أكثر تطورًا، فيما صار هو سليل مدرسة الانحطاط والفساد.

وتبقى ظاهرة “التعفيش” في سورية، سؤالًا محيرًا حول ارتباطها بأخلاق المجتمع، أم ارتباطها بحقبة من الفساد في ظل هذا النظام، وما عمل عليه من تدمير للنسيج الاجتماعي بدأه بدفن الجمر تحت الرماد، قبل أن يصب عليه كل ما أُتيح له من مواد تجعل ألسنة لهبه تطال معظم مفاصل المجتمع. وهل ستكون لهذه النيران فائدة لتعقيم وكيّ كل الجراح والبثور التي نتجت عن تلك الحقبة؛ ليعود للمجتمع السوري ألقه وبعض عافيته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق