كلمة جيرون

عود على بدء

كُشِف قبل أيام عن مسودة اتفاق أميركي – روسي للتعاون العسكري في سورية، أكّد مسؤولون أميركيون كبار صحتها، تبدأ بفرض هدنة ووقف لإطلاق النار في حلب، تستمر ثماني وأربعين ساعة، وفي حال نجحت، سيتم تمديدها لأسبوع، وبعد سبعة أيام متواصلة من الالتزام بها، تبدأ الولايات المتحدة وروسيا الخطوات العملية؛ لمنع تحليق طيران النظام السوري -بشكل كامل- فوق المدينة، على أن يتم -أيضًا- تعميم التجربة على كل الأراضي السورية بعد ذلك.

يبدو هذا الاتفاق، في ظاهره، الخطوة الأولى لرحلة الألف ميل نحو إنهاء المأساة السورية؛ إذ لا بد من أن يرافقه إخراج قسري لكل الميليشيات العابرة للحدود الموجودة في سورية، إيرانية كانت أم عراقية أم لبنانية، ويتبعه مفاوضات سياسية شاقة وطويلة بين طرفين سوريين، لا يتّفقان على شيء، تواكبه محاربة للتنظيمات المُتشددة المُصنّفة إرهابية، للوصول بالنهاية إلى حل، قد يوقف الحرب السورية ويُغيّر النظام السياسي.

تتمثل المشكلة الأساس في وجود أزمة ثقة حادة، بالنظام السوري وروسيا، وبكل الأطراف التابعة والمرتبطة بهما، ومن الصعوبة التصديق بأنه يمكن أن تُغيّر هذه الدول استراتيجياتها وسياساتها وأساليبها، بعد كل “الموبقات” التي ارتكبتها في سورية خلال السنوات الخمس الأخيرة، وكل السقطات الأخلاقية والإنسانية والسياسية التي وقعت فيها، وكل الفواحش والمجازر وجرائم الحروب التي ارتكبتها.

يُدرك النظام السوري، وروسيا، أنه لو أُرغم النظام على وقف استخدام طيرانه ضد السوريين، وتوقف سلاح الجو عن عملياته التدميرية، فإن هذا يعني -بالضرورة- أن الشعب السوري سيعود إلى بداية حكايته، وستملأ التظاهرات الشوارع من جديد، ضد النظام، وضد روسيا هذه المرة، وسيكون الطرفان أمام مأزق يعرفان حجمه وخطره عليهما.

في تموز/ يوليو الماضي، أوقف النظام السوري القتل ليوم واحد، ولم يُحلّق الطيران فوق داريا المُستلبة، فعادت التظاهرات السلمية إلى المدينة، وخرج أهلوها، شيبًا وشبابًا، يهتفون مطالبين بإسقاط النظام، وتحدّوا الموت والحزن والقهر، وعادوا إلى أيام العز الأولى، أيام النضال واضح المعالم والأهداف، فكان توقف الطيران، ليوم واحد، شرطًا كافيًا لعودة الروح الثورية إلى السوريين من جديد.

في أيار/ مايو الماضي، ولسبب ما، توقف تحليق الطيران ليوم واحد فوق غوطة دمشق، فخرج أهالي مسرابا ودوما وسقبا وغيرها، في مظاهرات حاشدة تدعو لنُصرة حلب وإسقاط النظام طبعًا، شارك فيها الآلاف، وتنقّلوا من بلدة إلى أخرى بشكل احتفالي استعراضي.

في آذار/ مارس الماضي، وبعد أن فرض المجتمع الدولي هدنة شاملة لثلاثة أيام، عادت سورية كلها لتُكرر ما حصل عام 2011، وخرج السوريون من تحت رماد البيوت وحطامها، وأعادوا بث الروح في ثورتهم، وتظاهروا ضد النظام، في حلب وإدلب ودمشق ودرعا وحمص والقنيطرة، ورُصد أكثر من 110 تظاهرات في يوم واحد.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، توقف القصف لليلة واحدة في إدلب، فخرج أهلوها في تظاهرات ضد الغارات الروسية، وبطبيعة الحال ضد النظام، وترك المسلُحون أسلحتهم ونزلوا بين المتظاهرين، مُدركين أن السلاح وحده لا يفعل شيئًا.

إن مر الاتفاق، وطُبّق، ولم يخرقه الروس، ولم يُدمّره النظام، أو يتلاعب به عبر الأطراف المتشددة المرتبطة به، أو عِبرَ ميليشياته المُنفلتة، فهذا يعني -بالضرورة- عودة اللافتات واللوحات والحناجر إلى الشارع السوري، وعودة الأغاني والأهازيج، وعودة الألق للثورة من جديد، على الرغم من كل المآسي والأحزان، وستكون التظاهرات مختلفة هذه المرة، ضد النظام، وضد التنظيمات المُتشدّدة، وضد روسيا، وضد كل من استغل الثورة السورية لجني مال، أو لربح شهرة، أو لنهش جزء من الوطن، فإن مر الاتفاق، ولم يخرقه الروس، ولم يُدمّره النظام، على السوريين الاستعداد للعود على بدء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق