سورية الآن

“إيران” ظاهرة مزعجة متغيرة وفق المستجدات

ازدادت نبرة التهديدات الإيرانية حدًّة خلال الفترة الماضية، وبلغت ذروتها في تلك التصريحات التي أطلقها الرئيس الإيراني، حسن روحاني، في السابع من هذا الشهر، التي دعا من خلالها إلى معاقبة السعودية، وتأتي تصريحات روحاني إثر تصريحات مماثلة أدلى بها المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي.

ترى الدول العربي أن “التغول” الإيراني في المنطقة العربية يُشكّل تهديدًا، هو الأخطر من نوعه منذ استقلال هذه الدول عن الاستعمار، الذي كان يُسيطر على المنطقة في النصف الأول من القرن المنصرم، ومع اشتداد الصراع في سورية والعراق واليمن والتأزم اللبناني، وما شهدته بعض دول الخليج العربي من محاولات خطيرة لزعزعة استقرارها، من مجموعات مرتبطة بالتوجه الإيراني، للسيطرة على المنطقة ولعب دور العباءة التي تنضم تحتها دول الشرق المتوسط، لا بد من التوقف عند العوامل التي أكسبت إيران هذه القدرة على التغلغل.

باشر الخميني عام 1988 بإجراء تعديلات دستورية لجمع السلطتين التنفيذية والتشريعية بيده، ما جعل أتباع المذهب الإمامي الاثني عشري كله خاضعين لسلطة “الولي الفقيه”، وكانت بواكير هذا الجمع إعدام عشرات الآلاف من المعارضين لـ “ولاية الفقيه” في السنة نفسها، ومن خلال تنصيب الخميني ومن بعده الخامنئي، حكامًا بدلاء عن “المهدي المنتظر”، في نظر متبعي هذا المذهب، تم ربط القرار السياسي بقداسة دينية، غير قابلة للمعارضة أو حتى النقاش، وهذا ما أكسب منصب “مرشد الجمهورية” زخمًا وقوة، ذهبت به بعيدًا في التحكم بمفاصل القرار في بمختلف مناحيه وجوانبه.

تنص المادة الخامسة من الدستور الإيراني “في زمن غيبة الإمام المهدي، تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير بأمور العصر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير”، إذًا، سلطة الإمام ليست مُطلقة فحسب، بل ومُقدّسة أيضًا، حيث تم الجمع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، في يد الولي الفقيه، الذي ينظر إلى الشريعة، وفق المؤرخ محمد قاسم زمان، على أنها وسيلة وليست غاية بحد ذاتها.

هذا الأمر، أعطى النظام الإيراني قوة كبيرة، من خلال إيجاد أتباع عقائديين له كالحرس الثوري والباسيج داخليًا، ومليشيا فيلق القدس خارجيًا، الذي انضوى تحت لوائه ميليشيات تعتبر الولاء للولي الفقيه أوجب من الولاء للأوطان التي ينتمون إليها، كما حدث في جنوب لبنان عند تأسيس ميليشيا “حزب الله” وكذلك في العراق وسورية واليمن، وهؤلاء الأتباع يرون في إيران قبلة لانتمائهم، تفوق مكانة أوطانهم أو أعراقهم، فكلهم جنود للولي الفقيه، يأتمرون وينتهون بأمره، وتحوّلت إيران إلى الأم واجبة الطاعة، وتحولت تلك الميليشيات إلى ما يشبه الطابور الخامس، الأمر الذي منحها أوراق لعب على مسرحي السياسة الإقليمية والدولية، استطاعت من خلالها الخروج من كثير من الأزمات الداخلية (في التاسع من كانون الأول/ ديسمبر سنة 2002 حدثت مظاهرات للطلبة والنساء نتيجة الهيمنة على التيار الإصلاحي وإصدار المحاكم الدينية على المفكر هاشم أغاجري الذي دعا إلى عدم تقليد الشيوخ كالقرود حكمًا بالإعدام، وكذلك ما حدث سنة 2009 إثر الانتخابات المزورة، وكذلك الملف النووي الإيراني ليس ببعيد، حيث استخدمت إيران أذرعها الخارجية في لبنان وسورية لسحب الدول إلى الاتفاق إبرام الاتفاق معها).

مع سقوط كل من كابول وبغداد بعد ما سُمّي “الحرب على الإرهاب” عامي 2001 و2003 على التوالي، ظهر الوجه القاسي لعملية “تصدير الثورة” الإيرانية، واستفادت الأخيرة من الفراغ الناشئ في المنطقة، والذي لم يمتلك العرب القوة لسده، واكتسب هامشًا واسعًا للتحرك والتأثير، وأصبحت لاعبًا منفردًا في قضايا المنطقة مع امتلاكه ترسانة سلاح لا يستهان بها، مع قوة بشرية وثروات اقتصادية، وبدأت الأجواء تلتهب مع دخول الربيع العربي، فساند النظام الإيراني الثورة في كل من تونس ومصر وليبيا، ولكنه رفض دعمها ومساندتها عندما اشتعلت في سورية، لأن النظام السوري بنظره “الحلقة الذهبية” في مشروعه، وراح يتدفق الدعم غير المحدود بالمال والسلاح والمليشيات التابعة لإيران على سورية، مثخنين بالسوريين، وكذا كان في اليمن.

بقي النظام الإيراني شموليًا، ونخره الفساد، وبقي غير قادر على إدارة أية عملية إصلاحية داخلية، واكتسى طابعًا طائفيًا، وأحاطت به العديد من الدول غير المستقرة، كما تعصف بها رياح الانقسامات الإثنية والدينية، عدا عن تعرضها لنزيف اقتصادي ضخم نتيجة برنامجها النووي الفاشل، ونتيجة دعم إيران للميليشيات المتعددة المنتشرة في الدول العربية، وإرسالها السلاح لها وللنظام السوري وللحوثيين في اليمن، وكل هذا أفرز ركودًا اقتصادياً وبطالة وتضخم واستياء شعبي عام.

أي نصر يقطع أحد أذرع إيران في لبنان أو سورية أو العراق أو اليمن، سيؤدي في الغالب إلى تخريب قداسة مشروعه، ويخلّ باستقرار النظام الإيراني المرتبط بنظرية تصدير الثورة، وسيضعفه كثيرًا في مواجهة التململ الداخلي، الأمر الذي يعتبره الكثيرون حقلًا واسعًا للتحرك العربي للحد من طموحات النظام الإيراني، فعوامل القوة لإيران هي نفسها عوامل الضعف التي قد تضربه في أي وقت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق