تحقيقات وتقارير سياسية

رؤية المعارضة السّورية تثير انتقادات الكتلة الكردية

أعلنت الهيئة العليا للمفاوضات السورية المعارضة، رسميًا، قبل يومين من لندن، رؤيتها لـ “سورية الجديدة وفق حق المواطنة وحماية جميع السوريين”، وحملت عنوان: الإطار التنفيذي للحل السياسي وفق بيان جنيف 2012.

وتضمنت رؤية المعارضة ثلاث مراحل: بدءًا بعملية تفاوضية تستمر ستة أشهر، على أن تبدأ بوقف شامل لإطلاق النار، لا يشمل محّاربة الإرهاب، وصولًا إلى مرحلة تفاوضية تدوم 18 شهرًا، مشروطة بـرحيل الأسد وزمرته، مع ضرورة المحافظة على مؤسسات الدولة والعاملين فيها، ووحدة الدولة والأراضي السورية.

وتؤدي المرحلة الثالثة بمستقبل البلاد إلى انتقال نهائي، عبر إجراء انتخابات محلية وتشريعية ورئاسية تحت إشراف الأمم المتحدة.

وطالبت الرؤية بإلغاء المراسيم والقوانين الاستثنائية التعسفية بحق الأكراد السوريين، وإعادة الجنسية لجميع السوريين الذين جردوا منها، بموجب الإحصاء الاستثنائي لعام 1962، في محافظة الحسكة، ومعالجة الآثار المترتبة على ذلك.

ردود متباينة

نصت المادة الأولى من المبادئ الأساسية لرؤية المعارضة على أن: “سورية جزء لا يتجزأ من الوطن العربي، واللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة”، وعدّت في بندها السادس أنّ: “القضية الكردية قضية وطنية سورية، والعمل على ضمان حقوقهم القومية واللغوية والثقافية دستوريًا”.

أثارت الرؤية انتقادات ممثلي “المجلس الوطني الكردي”، المنضم إلى “ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية”، و”هيئة التفاوض”، وفي تصريح لـ (جيرون) قال شلال كدو، سكرتير حزب اليسار الكردي، وعضو الائتلاف ممثل المجلس الكردي: “نحن لا نتفق مع هذه البنود التي تضمر (تعصبًا شوفينيًا وعنصريًا)، ويلغي حقيقة التعدد الاثني في سورية، وتتناغم مع نظرية البعث الذي كان ولا زال يسعى الى (تعريب) البشر والشجر والحجر في البلاد”، وانتقد عدّ اللغة العربية لغة رسمية وحيدة في البلاد، مضيفًا: “هي إلغاء متعمد، وتجاهل لا يمكن القبول به لـ (اللغة الكردية) التي لا بد أن تكون اللغة الرسمية الثانية في البلاد، وخاصة في (المناطق الكردية)؛ وحتى في المناطق ذات الأغلبية السكانية الكردية”.

وتابع: “تتجاهل الرؤية -بوضوح- الاعتراف بـ (الشعب الكردي) في (كردستان) سورية، الذي يعيش على (أرضه التاريخية)، وينكر حقوقه وفق العهود والمواثيق الدولية”.

وكانت الهيئة التفاوضية قد أرسلت مسوّدة رؤيتها إلى الكتل السياسية، وإلى قادة فصائل مسلحة، وناشطين في مجالس محلية، في مناطق المعارضة، قبل إقرارها في اجتماعات الهيئة في الرياض بداية الشهر الجاري.

من جانبه، قال موفق نيربية، نائب رئيس الائتلاف، وعضو المكتب التنفيذي لحركة (مواطنة)، في تصريح لـ (جيرون): إن المسوّدة “طُرِحت على الائتلاف، ونوقشت في الهيئة السياسية، وهي الهيئة القيادية، وبحضور ممثلي الكتلة الكردية، وشهدت المناقشات خلافات وتباينات موضوعية وذاتية”، موضحًا: “في آخر المطاف، قمنا بإضافة تعديلات عليها، انطلقنا من ملاحظات الأخوة الاكراد، إلا ان قضية البت في رؤية المعارضة، تقع خارج صلاحيات الائتلاف وأعضائه؛ كوننا جزءًا من هيئة التفاوض، وليس العكس؛ ما أدى الى وجود ملاحظات عليها، وأنا أيضًا فوجئت بها قليلًا!”.

بنود خلافية

وكشف مصدر كردي، طلب عدم ذكر اسمه، وكان مشاركًا في المفاوضات بين ممثلي الكتلة الكردية والهيئة السياسية للائتلاف، عن أن الاكراد هددوا بتعليق عضويتهم مالم يؤخذ بملاحظاتهم، وطالبوا أن تكون سورية “جزءًا من العالم العربي، وبلدًا متعدد القوميات والأديان والمذاهب”، على خلاف ما جاء في نص الرؤية، كما طلبوا تعديل الفقرة الأولى، على أن تكون “الثقافة العربية الإسلامية تمثل معينًا خصبًا للإنتاج الفكري، والعلاقات الاجتماعية، إلى جانب الثقافات الأخرى (الأصيلة) للسوريين على اختلاف انتماءاتهم الاثنية ومعتقداتهم الدينية”، في حين ذكرت الرؤية “تنتمي أكثرية السوريين إلى العروبة وتدين بالإسلام”.

وكشف المصدر المطلع عن أن الكتلة الكردية أصرّت على الاعتراف الدستوري بـ “الحقوق القومية للشعب الكردي”.

بدوره، شددّ نيربية، على أن الملخص التنفيذي لرؤية المعارضة، لا يوجد أي خلاف حوله، وقال: “ما يخص البند الأول من المبادئ الأساسية، كان هناك مقترح بأن تكون الصيغة جزءًا من العالم العربي، ولاقى هذا المقترح تأييد جميع أعضاء الائتلاف، إلا أن ما نُشر في النص العربي، جاء بخلاف ما تم الاتفاق عليه”، وأضاف: “ما يخص دور الثقافة العربية الإسلامية، فقد بقي على حاله، ولا أعتقد أن فيه أي مشكلة، في حين غابت الإشارة إلى كون سورية بلدًا متعدد القوميات والأديان والمذاهب”.

بيدّ أن “كدو” عدّ إقرار رؤية المعارضة بالشكل المنشور “من شأنه ان يلغي الثقافات السورية الأخرى”، ولفت إلى أنه “من شأنه أن يؤدي الى انهيار بنية المجتمع السوري الثقافية وتفتتيه؛ وبالتالي، تقسيم البلاد والعباد إلى جماعات وثقافات واثنيات متناحرة”، وأضاف: “لا بد من نزع فتيل هذه القنابل الموقوتة في هذه الوثيقة؛ لأنها تتناقض مع نص وروح الوثيقة المشتركة، الموقعة بين الائتلاف والمجلس الكردي، عند انضمام الأخير إلى الأول”.

في حين كشف “نيربية” عن أن الائتلاف “طالب لجنة الصياغة أن تُراعي الاتفاقية الموقعة بيننا وبين المجلس الكردي، ولكن ما حدث كان خارج إطار اختصاصنا ومسؤوليتنا”.

لامركزية إدارية أم سياسية

اعتمدت رؤية المعارضة على “مبدأ اللامركزية الإدارية” في إدارة شؤون البلاد، “بما يمنح أهالي كل محافظة ومنطقة دورًا في إدارة شؤونهم المحلية، ولا يؤثر سلبًا على وحدة البلاد”.

وعلق “كدو” على نظام “اللامركزية الإدارية” الوارد في الوثيقة بالقول: “هي شكل مُستنسخ من نظام المجالس المحلية الذي اعتمده النظام طوال عقود حكمه، ومن شأنه إعادة انتاج نظام شمولي استبدادي، يقمع الآخر المختلف بالقوة، وهو شبيه بنظام البعث الجاثم على صدور السوريين بقوة الحديد والنار”، ونفى مطالبة الاكراد بهذه الصيغة، مضيفًا: “نسعى إلى توافق مع طيف المعارضة على تبني اللامركزية السياسية؛ لينال -في ظلها- كل ذي حق حقه”.

أما “نيربية”، فقال: “لو وضعنا مطلب الفيدرالية جانبًا، والذي لم يكن متفقًا عليه أصلًا، فإن ما ورد في رؤية المعارضة في الملخص التنفيذي يرضي الجانب الكردي، ولا خلاف عليه. نحن مع حقوق الأكراد، ونناضل مع نضالهم؛ من أجل إحقاق الحقوق وإقرارها دستوريًا، ونعمل معهم؛ لأجل أن تكون (قضية الأكراد) قضية وطنية سورية بامتياز”، وعن شكل نظام الحكم، قال: “هذا الأمر مؤجل إلى حين عقد الجمعية التأسيسية، وبحضور جميع ممثلي الطيف السوري لإقراره”.

ورأى “كدو” أن المعارضة السورية لم تتفق -بعد- على مطالب الأكراد، وأن “الوثيقة الوحيدة التي اعترف -من خلالها- الائتلاف بجزء يسير من طموحاتهم وحقوقهم، هي الأخرى يتم تجاهلها عن قصد، وخاصة من هيئة التفاوض التي قزّمت دور الأكراد وحقوقهم منذ انطلاقتها الأولى، وأنكرت معظم حقوقهم، ولا زالت تسير بـ (العقلية التهميشية والإلغائية) نفسها إلى حد كبير”.

لكن “نيربية” أكد أن الهيئة السياسية للائتلاف، عقدت ورشة بحضور الأكراد وشخصيات مستقلة وأكاديمية؛ لمناقشة نظام الحكم ومسألة الفيدرالية في منتصف شهر تموز/ يوليو الماضي، وأنها خرجت بنقاط مهمة، وطرحت جميع القضايا العالقة، وختم حديثه بالقول: “نحن نريد الخلاص والخروج من هذا النفق المظلم، وهذه الخلافات لن تؤثر على سير عمل هيئة التفاوض العليا؛ لأنّ الجميع يصر على دفع عملية الحل السياسي، ووضعها على سكة التفاوض؛ للبدء بمرحلة الانتقال السياسي”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق