مقالات الرأي

أطياف ياسين الحافظ في تحليل مسألة الهويّات في سورية

الثورة السورية، ثورة الحرية والكرامة، لم تتحول إلى حرب، بل كانت في أحد أهم مناحيها، متّجهةً نحو اجتثاث عناصر الحرب الداخلية، الكامنة في بنى “المجتمع” السوري؛ الحرب كانت استراتجية القوى المضادة لها، من طريق إغراقها بسيل الهويّات التي تأسسّت مقدماتها الأيديولوجية والأخلاقية والسوسيولوجية في مرحلة البعث.

ياسين الحافظ الذي كان مغردًا خارج أنساق المصفوفات الأيديولوجية السائدة والمتسيّدة، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، نقد وعرّى مبكِرًا تلك المقدمات، التي أنتجت تعشّقًا بين الاستبداد السياسي والتأخر المجتمعي، أفضى إلى غرق السوريين في مستنقع الهويّات الراهن، وأجهض أحلامهم بالحرية واقتلاع الاستبداد وبناء دولتهم الوطنية.

إن أطياف ياسين الحافظ حاضرة؛ لأن النقد والتفنيد الذي مارسه لتلك المبادئ الأيديولوجية والأخلاقية والسوسيولوجية، للاستبداد وثقافته التسلطّية، من جهة، ولتأخر المجتمع التاريخي، من جهة ثانية، لا يزال راهنًا ومطلوبًا في مناخ السُعار الهوويّ الراهن.

أليست ظاهرة “نقص الاندماج الوطني” التي أفرد لها مجالًا واسعًا في تحليلاته، بخلاف غالبية القوميين واليساريين، تضخمّت إلى الحد الذي عصفت فيه “بالاجتماع الوطني السوري”؟  وأيضًا، أليست هذه الظاهرة ذاتها التي وقفت خلف الانقسام الشاقولي في بنية النظام السوري، إلى نواة أمنية وعسكرية مذهبية المحتوى، وأغلفة رخوة تُركت لباقي طوائف المجتمع ومذاهبه؟

كذلك، ألم تكّن “المصالحة المدّلسة” التي عقدها حزب البعث مع التقليد، و”تقلّدته” الحياة السياسية والثقافية في سورية، وإعادة بعثه التاريخ المملوكي – العثماني ما قبل الكولونيالي، وانقلابه على مكتسبات “المرحلة الليبرالية” اليتيمة، واستعانته بالقسم المتأخر من المجتمع السوري؛ لمحاصرة القسم الأقل تأخرًا، وإجهاضه “جنين الدولة الوطنية”، من العناصر الوازنة في انفجار قيعان المجتمع السوري بالتنظيمات والفصائل المتطرفة، التي دفعت الجسم المدني الديمقراطي السلمي للثورة السورية إلى الهوامش، من طريق تضافر نهج هذه التنظيمات، موضوعيًا وذاتيًا، مع آليات توحّش السلطة؟

وألم يسهم تفسّخ “التأخراكيات” (الاشتراكيات المتأخرة) إلى “تأخراليات” (رأسماليات متأخرة)، في تعميق المضمون السلطاني المحدّث “لدولة البعث”، التي كانت عصية على الإصلاح السياسي طوال عقود، واختارت النهج الأمني في مواجهة ثورة سلمية مدنية، ذات نزوع ديمقراطي؟

ولا تزال منهجيته في تحليل ماهية الحرب اللبنانية، التي بدأت عام 1975، وعرّى فيها، بشكل حاسم، تبريرات اليسار اللبناني، والتيارات القومية، وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، والحركة الوطنية اللبنانية، مشاركتها في تلك الحرب الطائفية القذرة، راهنة؛ للمساهمة في دحض تبريرات أغلبية الفاعلين المحلّيين والإقليميين في الحرب السورية القائمة، وفي مقدمتهم محور “الممانعة والمقاومة”، الممتد من الخمينية الظلامية إلى حماس والجهاد الإسلامي، عبر النظام السوري وحزب الله، والأحزاب والمليشيات الطائفية العراقية، مضافًا إلى هذا المحور كل الفصائل الإسلامية الظلامية التي لا تعترف بحدود الوطنية السورية، وبالفضاء الوطني السوري؛ فقد بات تصفية المبادئ الإبستمية والأخلاقية لهذه القوى الهوويّة، التي تغتال فكرة الإنسان الكلي، وفكرة الاجتماع البشري، من شروط استعادة الحياة الآدمية.

وكان الوعي الأيديولوجي الامتثالي الماضوي، الذي طالما دعا ياسين الحافظ إلى مواجهته، بامتلاك الوعي النقدي المتحرر من سلطة الأيديولوجيات، من مسببات إنتاج الفصائل الميليشياوية التي تعبث اليوم، بدون رقيب أو حسيب، بالنسيج المجتمعي السوري، فالكائن الميليشيوي، سواء أكان حزبًا أم جماعة أم فردًا أم “دولة”، هو -بالضرورة- ابن شرعي لكائن أيديولوجي ما.

بكلام آخر: تستند صراعات الهوية الحالية، التي تدّمر سورية والمشرق اقتصاديًا وسوسيولوجيًا، إلى قاع ثقافي مجتمعي، تناوله ياسين الحافظ نقدًا وتحليلًا وتفنيدًا، من طريق تركيزه على ظواهر مثل: الإنغماد الأيديولوجي، التأخر التاريخي، الاستبداد الشرقي المحدّث المنبعث من جوف التاريخ، الانقسام العمودي، وعي النخب المُستلب سلفيًا أو غربيًا أو سوفياتيًا، التحديث السطحي الذي أنتج فكرًا نغلًا وهجينًا، ضياع مجتمعاتنا ما بين أخلاق القرية وأخلاق المدينة، فهي تخلّت عن أخلاق القرية ولم تُمسك بأخلاق المدينة، غياب الفكر الديني في مقابل سيطرة أيديولوجية دينية وضعيّة، تراكبت مع الاستبداد السياسي، الركض الأبله وراء امتلاك التكنولوجيا، والتغاضي عن امتلاك جذورها المعرفية والثقافية، محاولة المزاوجة مابين التراث والتكنولوجيا، بواسطة فصل الغرب إلى شقين: شق تقني نأخذه وشق فكري نرفضه؛ لذا، أدى رفض المضمون التنويري لليبرالية إلى هيمنة التقليد وتقدمه؛ ما أفضى إلى سيطرة “تقليدوية” محدّثة على الحياة السياسية والثقافية في المجتمعات العربية في النصف الثاني من القرن الماضي، سيطرة النزعات السلاحوية المرتكزة على واقعة التحشيد والتجييش، الحشوة الماضوية للأحزاب والتيارات التقدمية، فغالبية تلك القوى كانت متمفصلة مع وضعية الانقسامات الشاقولية في المجتمع، اللاعقلانية في السياسة، انتهاج سياسة ضيع في عالم التكتلات والأمم الكبرى والدول القومية، ترييف المدن، تحول المدن إلى قرى كبيرة، الانفجار الديمغرافي، مترافقًا مع تراجع التعليم والصحة، وانفصال التعليم عن حاجات المجتمع، تحول الجيش من مؤسسة وطنية إلى عسكرتريا للهيمنة على الحياة السياسية الداخلية، ولنهب خيرات البلد وثرواته، الصبغة السلطانية “لدولة البعث”، وتحول البشر إلى رعايا، وقتل المواطنية فيهم، ذوبان الفرد في مفهوم الجمهور/ الكتلة.

أليس تراكب وتفاعل هذه الظواهر، طوال خمسين عامًا، هو الذي أسّس مقدمات الخراب والدمار الحالي في سورية، وأجهض ثورة السوريين، وتوقهم إلى الحرية، وبناء الدولة الوطنية؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق