تحقيقات وتقارير سياسية

منسق (مصير): “مواقف فاضحة للقيادة الفلسطينية تجاه القضية السورية”

أكد أيمن أبو هاشم، المنسق العام للتجمع الفلسطيني الحر (مصير)، أن افتتاح سفارة دولة فلسطين في دمشق في الآونة الأخيرة، وعلى جدارها صورة بشار الأسد، تعبير علني عن المواقف “الفاضحة” للقيادة الفلسطينية، وقال: إنها جاءت في سياق حسابات ومصالح من افتتحها مع النظام السوري، و”انعدام حساسيتهم للمسؤوليات الوطنية والأخلاقية” تجاه مآسي الفلسطينيين والسوريين.

وشدد أبو هاشم، في تصريح لـ (جيرون) على أن “بنية الفصائل الفلسطينية منخورةً بالفساد المالي والتنظيمي، وتسلط قياداتها على قرارها ومقدراتها؛ ما جعل منها الوجه الآخر الذي يحاكي أنظمة الاستبداد”، لافتًا إلى أن ذلك وحده “ما يُفسر تنكر القيادة الفلسطينية لمعاناة شعبها والشعوب التواقة للحرية، وتنكرها لتضحيات فلسطينيي سورية الذين انكشف لديهم حجم تواطئ هذه القيادة على دمائهم ووجودهم ومعاناتهم” على حد وصفه.

الأدوات التي يحتاجها فلسطينيو سورية

تعرض اللاجئون الفلسطينيون في سورية لهجمةٍ شرسة من النظام، أتت على معظم المخيمات الفلسطينية، بما فيها المخيم الأكبر (وعاصمة الشتات الفلسطيني) مخيم اليرموك، جنوبي العاصمة السورية دمشق؛ ما جعلهم يواجهون خطرًا وجوديًا، يتعدى -في تداعياته وانعكاساته- آثار النكبة عام 1948؛ ما دفع بأسئلةٍ كثيرة إلى السطح على صعيد الأوساط الاجتماعية، فلسطينيًا، منها: أي مصير ممكن أن يواجه ملف اللاجئين الفلسطينيين ضمن مسارات التسوية المزعومة، بعد ما حدث لفلسطينيي سورية؟، وأي روافع وحوامل أو أدوات يحتاجها الفلسطيني السوري اليوم؛ للمحافظة على ما تبقى من وجوده في سورية؟

في هذا السياق، قال أبو هاشم: “إن ما يحتاجه الفلسطينيون -اليوم- للمحافظة على ما تبقى من وجودهم في سورية، يتطلب توافر شروطٍ ومقومات، ذات صلة مباشرة بتأمين وجودهم المادي والمعنوي، المُهدد -فعليًا- منذ أكثر من خمس سنوات، وهذا -بالطبع- سيتوقف على فرص إنقاذ سورية من الخيارات الكارثية التي تواجهها؛ بسبب وحشية النظام السوري وقوى التطرف التي تواصل تدمير ما عجز النظام عن تدميره؛ وبالتالي، فإن خلاص السوريين من النظام الأسدي والنجاح في بناء سورية الجديدة، الضامنة لحقوق جميع السوريين ومن في حكمهم، هو الشرط الأساسي في ضمان حماية ما تبقى من الوجود الفلسطيني في سورية”.

وأضاف: “كذلك لا بد من البدء بمعالجة ما أعترى هذا الوجود من تصدعات واستنزاف كبير على المستويات كافة، وبالضرورة هذه مسؤولية تقع على عاتق القوى السورية الوطنية الحية، ومعها الفلسطينيين الذين كافحوا إلى جانب إخوتهم السوريين؛ للتحرر من نظام الاستبداد الأسدي، وكي تكون سورية المستقبل ملاذًا آمنًا للفلسطينيين،  لابد أن تصبح وطنًا حرًا يحصل فيه الفلسطينيون على حقوقهم المدنية والسياسية أسوةً بالسوريين، ودون أن يلغي ذلك كفاحهم الوطني من أجل عودتهم إلى وطنهم الأصلي فلسطين، أما ذهاب سورية إلى حلول سياسية، تعيد إنتاج الاستبداد، أو تدفع إلى خيارات تقسيم سورية، وزجها في صراعات طائفية وأهلية ومناطقية، فهذا سيضاعف من الأخطار على الوجود الفلسطيني، وسيزيد من عمليات التهجير والتطهير العرقي التي لن تستثنِ الفلسطينيين، خدمةً لإسرائيل المستفيد الأكبر من تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين”.

منظمة التحرير تتمسك بشرعية تآكلت

الأخطار المحدقة بالوجود الفلسطيني السوري في سورية، دفعت العديد من الناشطين الفلسطينيين للتساؤل حول واقعية استمرار شرعية وحدانية التمثيل عنهم في منظمة التحرير الفلسطينية، ولا سيما أن قطاعات واسعة من الشباب الفلسطيني تحمّل المنظمة مسؤولية كل ما يواجه الواقع الفلسطيني من أزمات، ليس في سورية فحسب، وإنما في مختلف الساحات والملفات.

وعن هذا الجانب، قال أبو هاشم: “لقد تآكلت شرعية منظمة التحرير الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، بصورة تدعو إلى القول: إن اللاجئين الفلسطينيين عمومًا، وفلسطينيي سورية خاصةً، لم يعد ثمة إجماع بينهم على تمثيل المنظمة، وتجسيدها للمعنى الجوهري للوظيفة الوطنية التي نشأت على أساسها شرعية تلك المؤسسة، بل أكثر من ذلك، تسيطر على أغلبية الفلسطينيين -اليوم- حالة من الاستياء والامتعاض من مواقف وسلوك قيادة المنظمة، التي تنكرت لمسؤولياتها حيال ما تعرض له فلسطينيو سورية في نكبتهم الثانية؛ وبالتالي، إن أي إطار تمثيلي لا يعبر عن حقوق ومصالح من يدّعي تمثيلهم، يفقد قدرته التاريخية على مواصلة دوره، وعجز المنظمة عن قيامها بهذا الدور الوطني والسياسي والإنساني، هو الذي أضعف مكانتها وشرعيتها في عيون اللاجئين، فكيف وهناك أزمة بنيوية في مسألة التمثيل في مختلف بنى المنظمة وأطرها التنظيمية والقيادية منذ قرابة ثلاثة عقود”.

وأوضح: “من هذا الواقع نرى اليوم أن هناك أطرًا ومنابرَ جديدة، يحاول الفلسطينيون من خلالها طرح همومهم وقضاياهم وتطلعاتهم، دون أن تدّعي أنها أطر تمثيلية أو بديلة، لأن مثل هذه المهمات والأدوار تحتاج -أيضًا- إلى توفر شروط ومناخات ليست متاحة في الوضع الراهن، لكن هذا لا ينفي حق أي شعب، وأي جماعة سياسية، في البحث عن بدائل، تعبر بصدقية عن واقعها، وتسهم في تغيير هذا الواقع، وأنا ممن يؤمنون بأن كل الأحزاب والأطر السياسية أدوات لتحقيق تطلعات الناس، وحين تُخفق تلك الأدوات في وظائفها- كما بات عليه حال منظمة التحرير الفلسطينية وواقع الفصائل الفلسطينية-  لن يكون مجديًا التمسك بها، وإنما العمل على استبدالها بأدوات فاعلة، تكتسب شرعيتها بناءً على ديمقراطية حقيقية وانجازات وطنية ملموسة، وربما سيخرج من يقول: إن الدعوة لإيجاد بديل عن المنظمة هو ما تتمناه اسرائيل، وجوابي أن الأخيرة هي أكثر المغتبطين بوجود منظمة كهذه، عاجزة عن القيام بدورها ومسؤولياتها؛ لأن القابضين على قرارها وتشكيلاتها فشلوا في إصلاح بنيتها المتهالكة، وما زالوا متشبثين بمنع أي إصلاح جدي، يؤدي إلى ممارسة دورها المعبر عن الكل الفلسطيني”.

الحياد غطاءً لتمرير موقف المنظمة المحابي للأسد

كثيرًا ما سيطر موضوع تحييد المخيمات الفلسطينية وأهلها، عن الصراع الدائر في سورية، على خطاب القيادة الفلسطينية، وعلى الرغم من اعتراض كثير من الناشطين الفلسطينيين على طريقة طرح وتسويق الموضوع من الأخيرة، إلا أنهم تعاطوا معه بإيجابية بدايةً، دون أن يعرقل ذلك الموقف من حراكهم ومساهمتهم في الثورة السورية، ولكن مع إصرار النظام على استخدام هذا الموقف الإيجابي واستثماره؛ لضرب التجمعات الفلسطينية مع جوارها، دفع بناشطي المخيمات إلى إعادة فتح ملفات تاريخية ضخمة، تتعلق بماض ثقيل من المجازر التي ارتكبها وهندسها النظام السوري ضد الفلسطينيين؛ ليتضح أن الحياد كان أقرب إلى غطاءٍ سياسي من القيادة الفلسطينية لانتهاكات النظام.

وهو ما أكده أبو هاشم بالقول: “في بداية الصراع، كان يمكن تفّهم شعارات الحياد التي رفعتها القيادة الفلسطينية، لكن مع إيغال النظام في إجرامه بحق السوريين والفلسطينيين، ظهر -جليًا- أن مواقف تلك القيادة اتجهت نحو مغادرة مربع الحياد، إلى مواقف تعكس انحيازها للنظام، فكيف يمكن أن تتقبل جموع اللاجئين هذا الموقف،  بعد تصعيد النظام جرائمه بحق الفلسطينيين، والتي طالت تدمير مخيماتهم، وحصار وتجويع مخيم اليرموك، أكبر المخيمات الفلسطينية في سورية، ودوره في تهجير أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين، وقيامه بتصفية أكثر من 1000 معتقل بعد تعذيبهم بوحشية، عدا عن أعداد كبيرة من المعتقلين، لازال مصيرهم مجهولًا؛ كل تلك الجرائم  لم تدفع القيادة الفلسطينية إلى إعلان موقف سياسي وأخلاقي ضد ممارسات النظام وانتهاكاته المتواصلة، أو على الأقل، الضغط عليه لوقف تلك الجرائم المشهودة، بل على العكس من ذلك، قامت بتطوير علاقاتها معه، والتغطية على جرائمه، من خلال مغازلتها له في مناسبات عدة”.

واختتم حديثة بالتأكيد على أن هذا الواقع المأسوي للاجئين الفلسطينيين، يجعل من الصعوبة بمكان إعادة ترتيب الأوراق وتحديد الأولويات، قائلًا: ” بالتوازي مع كل تلك التفاصيل التي تحدثنا عنها، يحضر سؤال الهوية الوطنية، بمعانيها وجدواها بالنسبة إلى فلسطينيي سورية، بصورة غير مسبوقة، وتتضاءل لديهم الثقة الجمعية بكل  المسلمات والبديهيات التي خبروها في محطات لجوئهم الطويلة، ولعل شتاتهم الجديد سيضاعف من وطأة هذه الأسئلة والهواجس، ذات الطابع الوجودي؛ ما سيكون له أثر كبير -في المستقبل القريب- على تركيز جهدهم نحو إعادة وصل ما قطعته الجغرافيا بينهم، وعلى إعادة تعريف أنفسهم، وتظهير هويتهم المركبة، خوفًا من الذوبان في مجتمعات لجوئهم الجديدة”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق