مقالات الرأي

الوضوح الأميركي وإفلاس المعارضة السورية

سنواتٌ خمسُ مضت، ولم تتوقف الإدارة الأميركية عن تكرار موقف أنها مع الحل السياسي، وليس من حلٍّ عسكري ممكن؛ والكلام عن رحيل الأسد كان يرافقه، أو يليه، أن لا بديل عنه لقيادة سورية. في المواقف الأميركية، وفي شكل الدعم المُقدم للمعارضة أو للفصائل العسكرية، أو حتى في طريقة مواجهة (داعش)، ممارسات تقول بأن الأميركان ليسوا معنيين بأي مسألة تخص الشعب السوري، ويريدون تدمير سورية بالكامل، وربما من أجل إسرائيل، وما تضمنته ورقتا مؤسسة راند “خطة السلام في سورية” القريبة من مراكز القرار الأميركي، يمكن أن يوضح الأهداف الأميركية، أي مناطق نفوذ متصارعة تؤدي إلى حكم طائفي مستقبلي في سورية، ومحاربة (داعش) والجهاديين؛ أميركا واضحة في كل ذلك، من لم يفهم المسألة هي المعارضة بالتحديد، وإذا كنّا لا نقول بضرورة معاداة أميركا كإمبريالية عظمى، تقود العولمة والسياسات النيوليبرالية على مستوى العالم، وتتسبب بأزمات عالمية، ومنها الثورات العربية ذاتها، فإن عدم فهم السياسة الأميركية، شكّل ويُشكل عقبة حقيقية أمام انتقال المعارضة والسوريين نحو تفكير مختلف وثوري بحق.

زاد في الطين بلّة أن الرؤية الجديدة للمعارضة -في لندن- عاتبة على الإدارة الأميركية؛ لأنها خذلتها (وكثر في الآونة الأخيرة مونولوج المثقفين السوريين عن الخذلان)، وتتأمل خيرًا بكلينتون، وترغب في أن يعيد بوتين المتهور حساباته ويقف معها؛ هذا تفكير ربما يكون له علاقة بالدبلوماسية، ولكن علاقته الأكيدة هي بالأوهام والإفلاس؛ أي غياب أي دور للشعب السوري في رؤية تلك المعارضة، أقصد في دور فاعل له في أي حل سياسي مقبل. ورقة الهيئة العليا للمفاوضات تُكرّر المُكرّر، وتعتمد كلية على الدول الداعمة، وكذلك على بعض الفصائل المسلحة كما تدّعي، الفصائل هذه ترفض أي عمل سياسي ومدني ومستقل في كانتوناتها؛ هذه المعارضة تتجاهل الشعب الذي ثار، وتعتمد على الفصائل التي أصبحت قامعة له بدلًا من النظام! أي: إن المعارضة سَخّرت الثورة لتصل إلى السلطة، ولكنها لم تثق بالشعب، فاعتمدت كلية على أميركا ودول في المنطقة، ولكنها فشلت بسبب انتهازيتها غير الذكية هذه.

أوهام الهيئة العليا للمفاوضات، وهي أوهام أغلبية المعارضة الممثلة في المجلس الوطني والائتلاف الوطني، وجزئيًا هيئة التنسيق، فالأخيرة أوهامها متعلقة بالروس! تقول بأن كلينتون ستُنصف المعارضة وتدعمها، وقد تنفسوا الصعداء حالما قالت توقعات نتائج الانتخابات بتراجع ترامب عن الفوز؛ إذن، ما زالت الأوهام ذاتها، فموقف المعارضة لا ينبني على قراءة الموقف الأميركي كموقف مُعبر عن سياسات دول، بل على ما يجب أن تكون عليه تلك المواقف. ومن زاوية “أخلاقية”، كلينتون أو ترامب، ليسا مستقلين برأيهما، فهما يمثلان دولة غارقة في أزمة اقتصادية كبيرة، وتخاف من العملاق الصيني الذي يكاد يُغير موقعها المسيطر على العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتعزّز ذلك مع انهيار الاتحاد السوفياتي. بعض التغيير الذي تقوم به أميركا كأن تدعم قوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سورية، أو ترسل ملاحظات قاسية للقيادة العراقية، وترفض سيطرة الحشد الشعبي على العراق، لا يفيد بتغيير كبير في السياسات الأميركية؛ نضيف -هنا- أن السياسة الأميركية تقول بإعطاء دور للدول الإقليمية في كل ما يخص أحوالها، أي إعطاء دور لإيران وتركيا وإسرائيل وكذلك للسعودية، وأيضًا تمكين روسيا في سورية من أجل مواجهة الصين؛ هذه السياسة لن تتغير بمجيء كلينتون، وستظل ذاتها، ولو افترضنا أنها تغيرت وأصبحت (مع) مصالح الشعب السوري، فهي ستأخذ فكرة المصالح هذه من أجل تحقيق مصالح الدولة الأميركية، والتي راقب كارثيتها العالم بأكمله في أفغانستان والعراق وليبيا.

ما يهمنا، وقد أصبحت سورية رهينة الدول العظمى والإقليمية، وأصبح الحل الممكن مُحققًا بالضرورة مصالح تلك الدول، هو العمل من أجل دورٍ سوريٍّ يخص السوريين؛ طبعًا وفق الأوضاع الحالية والحرب وشكل التدخل الخارجي، فإن هذا الدور سيُواجه بمصالح كبيرة داخلية وخارجية لإفشاله. ربما أميركا، وعلى الرغم من خطر (داعش) العالمي، ليست مستعجلة للحل، ولكن تركيا وروسيا وإيران، وعلى الرغم من كل مصالحهم التي تحققت عبر أشكال التدخل الاحتلالي لسورية وغير الاحتلالي من مشاريع اقتصادية وسياسية، فإن لا مصلحة لهم باستمرار الوضع السوري في انحدارٍ شديد؛ فإيران فشلت في مواجهة الشعب، وروسيا كذلك، وهذا ما سمح بدخول تركيا، والأخيرة ليس من مصلحتها عداء الشعب السوري، بل تكمن مصلحتها في توظيف تضحياته من أجل مصالحها، ويتركز عداؤها الشديد ضد الأكراد؛ ونضيف هنا أن استمرار الحرب يعني أن هناك خسارات متتالية، ليس للسوريين الذين يُهجرون وتُدمر مدنهم ويُقتلون، بل وكذلك لتلك الدول؛ هنا يطغى حديث سوري ودولي عن أن سورية أصبحت دول مُقسمة ومحمية من دول عظمى، وهذا هو مآلها، وربما يقود ذلك إلى التقسيم؛ وهناك كلام مجاني عن أن التقسيم حصل وسيتعزّز، أي بسبب وجود سيطرة النظام على مناطق، و(داعش) والأكراد وتركيا وبقية الفصائل؛ طبعًا هذا الكلام صحيح نسبيًا، ولكن السؤال: ما مصلحة تركيا وإيران فيه؟ وكذلك روسيا وإسرائيل؟ أعتقد أن مصلحة تلك الدول في إنهاك سورية، وقد حصل ذلك، ولكن ليس لهم مصلحة بتقسيم وفق الأساس القومي أو الطائفي، فذلك سيفتح الأوهام لطوائف وقوميات في تركيا وإيران؛ لتحقيق التقسيم فيها، ولا سيما أن تركيا وإيران فيهما قضايا قومية وطائفية متأزمة؛ وبالتالي، فإن أي تقسيم لن يظل حبيس الحدود السورية.

المعارضة معنية بخطابٍ وطني جامع، خطاب يُنهي كل حديث عن التقسيم، ولو كان ممكنًا؛ الرؤية الأخيرة لاجتماع لندن فيها جوانب تؤكد ذلك، ولكن بقاء الكلام في الهواء، ودون تغيير في الموقف من الكتلة السكانية غير المحسوبة على المعارضة، وهي ليست من طائفة واحدة، يُفقد تلك الجوانب أهميتها؛ وهنا يجب رفض كل ميل طائفي له علاقة بالثورة، كما الحال من الموقف من (النصرة)، حينما أصبحت (فتح الشام)، أي تشجيعها للانفكاك، وكذلك تأييد التدخل في جرابلس، وهناك كثير من هذه المواقف الخطأ، والتي تعبر عن الشعور بالإفلاس والعدمية تجاه الثورة وتجاه الموقف الوطني في كل السياسات.

الأميركان أكثر من واضحين تجاه السوريين، وكلينتون ليست بوش، ويبقى على السوريين أن يكونوا سوريين ووطنيين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق