سورية الآن

تركيا والاتحاد الأوربي، السوريون بانتظار “الفيزا”

ما زالت مسألة إعفاء المواطنين الأتراك من تأشيرة دخولهم دول الاتحاد الأوروبي غير واضحة المعالم حتى الآن، وقد يكون ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد قد دخل مرحلة السبات، على الأقل في الوقت الراهن، وذلك استنادًا إلى مؤشرات عدة، استجدت خلال الأشهر الثلاثة الماضية. لا شك في أن المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، هي التي أظهرت مدى الخلل في هذه المباحثات، وشكّكت في النيات الأوروبية تجاه تركيا، كما عبّر عنها المسؤولون الأتراك في أكثر من مناسبة، والتي أدّت -بتسارع- إلى برودة في العلاقة بين تركيا والعديد من دول الاتحاد.

من المرجّح أن ملف اللاجئين السوريين الذي يؤرّق الأوربيين، هو الذي نشّط هذا الملف خلال السنة الماضية، وجعل الجانبين يقتربان من الاتفاق على مسألة إلغاء التأشيرة، مقابل قبول تركيا بعودة بعض اللاجئين إليها ضمن شروط تم تحديدها، وهذا واضح -على الأقل- من التحذير التركي للأوروبيين، بإيقاف العمل بهذا الاتفاق، ولا شك في أنه لا أحد يعرف قسوة ومرارة هذا الاتفاق على السوريين بالذات أكثر من السوريين أنفسهم، فقد فُرض عليهم الحصول على التأشيرة لدخول تركيا، وبشروط قاسية جدًا؛ ما زاد من معاناتهم ومن تشتت الأسر السورية، حيث كانت تركيا الملاذ الوحيد الممكن، للم شمل بعض الأسر التي توزّعت في أنحاء المعمورة، ولو لأيام لرؤية بعضهم بعضًا، وبقي هذا الملف معلّقًا على الرغم من تعثّر المفاوضات التركية الأوروبية، واستمر السوريون بدفع هذا الثمن.

محاولة الانقلاب وأثرها على المفاوضات

يوم الثلاثاء الماضي في 5 أيلول/ سبتمبر الجاري، انتقد وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، في أثناء زيارة له إلى سلوفينيا، عرقلة الأوروبيين لما اتفق عليه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، حول عملية منح التأشيرة للمواطنين الأتراك لدخول الاتحاد، الذي ارتبط بملف اللاجئين، مشيرًا إلى أن تركيا “حققت شروط اتفاق الفيزا، ولكن هذه الصفقة لم تعط حقائق على الأرض”، وحول الاتفاقية عمومًا، صرّح أوغلو “أن الأتراك لا يؤمنون بالاتحاد الأوروبي بعد الآن، وهناك نقص في الثقة”، وانتقد سياسات الاتحاد الأوروبي الفاشلة في وقوفها إلى جانب تركيا، إثر انقلاب 15 تموز/ يوليو الماضي؛ ما طرح التساؤلات حول انضمام تركيا إلى الاتحاد، وقد طالب -أيضًا- قادة الاتحاد الأوروبي بأن ينتبهوا ويقدّموا “رسائل أكثر إيجابية وتوازنًا”، وأن عليهم تشجيع الأتراك، وإعادة إقناعهم بأن العضوية خلفها مكاسب.

وكان مارتين شولتس، رئيس البرلمان الأوربي، قد قال لصحيفة “راينيشه بوست” الألمانية: إنه ينبغي للاتحاد الأوربي الاستمرار في المفاوضات مع تركيا بشأن انضمامها إلى الاتحاد، وهنا يُذكر أن المستشار النمساوي، كريستيان كيرن، كان قد دعا إلى وقف المفاوضات مع تركيا، مُوضحًا أنها ما زالت بعيدة عن استيفاء معايير الانضمام، وأنه سيثير الموضوع في قمة الاتحاد الأوروبي، وقد أثارت هذه التصريحات ردود فعل غاضبة من الجانب التركي، حيث قال مولود جاويش أوغلو، إن النمسا هي عاصمة العنصرية في أوروبا، بينما علّق فرانك فالتر شتاينماير وزير خارجية ألمانية على ذلك بقوله، إن المفاوضات مع تركيا شبه متوقفة، ولكن لا يجب وقفها نهائيًا، كذلك رفضت السويد إيقافها. أما شولتس، رئيس البرلمان الأوربي فقد صرّح، بأن قرار إجراء المفاوضات تم بالإجماع، وقرار قطع المفاوضات يجب أن يكون بالإجماع، وعلى الرغم من هذا التصريح، فقد رأى شولتس أن إمكانية انضمام تركيا للاتحاد بعيدة.

الشروط الأوروبية حول قانون الإرهاب

تركيا التي تقدّمت بطلب دخولها عضوًا في الاتحاد الأوروبي منذ عام 1987، وتم قبولها كمرشّحة في عام 1999، وقد انطلقت المفاوضات الجادة بشأن ذلك في عام 2005، لم تحرز أي تقدم مهم في هذا المجال، سوى بقاء باب المفاوضات والأمل المنعقد عليها مفتوحًا، لكن موقف أوروبا من عدّ تركيا حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية، كان أيضًا من المسائل المهمة في هذا الموضوع، خاصة بعد تدخّلها المباشر في سورية، عبر دعمها الجيش الحر في إبعاد تنظيم الدولة (داعش) من حدودها، كذلك محاربتها كل من حزب “الاتحاد الديموقراطي الكردي”، وجناحيه العسكريين (وحدات حماية الشعب، وقوات سورية الديمقراطية)، المعدودة -تركيًا- أجزاء أو فروعًا من “حزب العمال الكردستاني”، وحول ذلك تقول تركيا: إن الاتحاد الأوروبي ما زال يتعامل مع هذا الموضوع بازدواجية معايير، بل إنها دعت دول الاتحاد إلى إدانة العمليات الإرهابية التي يقوم بها حزب العمال الكردستاني داخل أراضيها، بينما الدول الأوروبية تسمح -في المقابل- لهذا الحزب بالنشاط على أراضيها، بل يطالب الاتحاد الأوروبي تركيا بتعديل قانونها الخاص بمكافحة الإرهاب؛ لتعديل موقفها من هذا الحزب المسلح.

يبدو أن الديبلوماسية التركية تدرك حاجة أوروبا إلى تركيا في هذه الفترة الحساسة، خاصة في مجال الأمن بعد ظهور تنظيم (داعش) بهذا الشكل المتصاعد من التهديد، وإعلان التحالف الحرب عليه، كما أن مسألة تدفّق اللاجئين أصبحت من أولويات دول الاتحاد حاليًا، وقد تكون الحاجة الاقتصادية -أيضًا- ازدادت بسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتمكن الإشارة -هنا- إلى أن ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني السابق، كان قد قال – في ما مضى- بأن تركيا إذا بقيت تسير على هذا النحو، فإنها لن تنضم إلى الاتحاد قبل عام 3000؛ ما أغضب الأتراك حينئذ، وطالبوه بإصلاح الاتحاد الأوروبي لحدود الـ 30 سنة المقبلة أولًا.

اتفاقية الحد من الهجرة غير الشرعية

على الرغم من أن عمر جليك، وزير شؤون الاتحاد الأوروبي وكبير المفاوضين الأتراك، كان قد ألمح في آب/ أغسطس الماضي، إلى إمكانية إيقاف العمل باتفاقية إعادة قبول اللاجئين، إذا لم يُحدَّد موعد لإلغاء التأشيرة لدخول المواطنين الأتراك إلى دول الاتحاد، إلّا أن وزراء خارجية دول الاتحاد أعربوا، في بداية أيلول/ سبتمبر الجاري، عن رغبتهم في إعادة المفاوضات مع تركيا بشأن انضمامها، وهو -عمليًا- يعني القفز فوق الاتفاقية الخاصة باللاجئين، والتي توصل إليها الجانبان في آذار/ مارس 2016 في بروكسل، مقابل دخول الأتراك بلا تأشيرة، والهادفة -أصلًا- إلى مكافحة الهجرة غير الشرعية، وهذا ما يريده عمليًا الأوروبيون من تركيا، دون تقديم أي شيء ملموس لها، سوى الإصرار على إبقاء باب المفاوضات مفتوحًا.

من جانب آخر، فإن التقارب التركي الروسي، والتوقيع على مشروعات اقتصادية مشتركة، والتي وجدتها روسيا أيضًا فرصة مهمة، بسبب ما تعانيه من العقوبات الأوروبية عليها، قد يكون هذا التقارب، هو التعبير الأكثر وضوحًا من تركيا، بأنها لم تعد في عجلة من أمرها؛ للعودة إلى طاولة المفاوضات مع دول الاتحاد، بل حتى إن عدنا إلى ما قبل محاولة الانقلاب الفاشلة، سنجد أن الشكوك بين الجانبين سقفها أعلى من الثقة، حيث تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في حزيران/ يونيو الماضي، بأن تركيا قد تلجأ إلى استفتاء شعبي حول استمرارها بمفاوضات الانضمام، وذلك على غرار بريطانيا، متهمًا دول الاتحاد بعرقلة هذا الانضمام، هذا يعني أن محاولة الانقلاب الأخيرة، وما ترتب عليها من تشنج في العلاقات، لم تكن البداية بل هي الحدث الذي فجّر تلك الخلافات، وتركيا التي كانت تأمل في دخولها إلى الاتحاد الأوروبي عضوًا كاملًا مع الذكرى المئوية الأولى لتأسيسها في عام 2023، أصبحت ترى أن تدعيم وضعها الأمني والاقتصادي، هو مفتاح اتفاقاتها الإقليمية، فهل سيستفيد السوريون من ذلك في المستقبل.

مقالات ذات صلة

إغلاق