أدب وفنون

في الحدّ الفاصل أو ربّما (البرزخ)

ليس موتًا. في الموت لا يوجد شمس نهارٍ مشرقة، ولا رغبة في الاستماع بصوت عال لأغنية، وعلى الأغلب، لا يوجد في الموت تفاعلٌ مع رائحة البن الطازج المتسللة من نافذة مطبخ الجيران.

ليس موتًا، فلا أظن أن ساحات مدن ما بعد الموت فيها سواتر ترابية، وليس فيها -أيضًا- دبابات يخطر لسدنتها من الجنود تشغيل محركاتها تحت النوافذ، في السادسة صباحًا.

هل هو موت؟

ما نتعب طيلة أعمارنا لنيله بعد موتنا، لا يُعقل أن يكون مجرّد موقف حافلاتٍ مزدحم بالناس، يكتوون -جميعًا- فيه بحرارة الصيف اللاذعة الوهاجة، أيعقل أنها جهنم؟ ربّما. لكن، لا، فجهنم التي وُعد بعضنا بها، ليس من روادها نساء متعبات، يحملن أطفالًا في سنتهم الأولى من العمر، وليس بينهم عجائز يقعون أرضًا حين يدفعهم شبان؛ ليصعدوا قبلهم إلى الحافلة المكتظة أصلًا بالركاب، وهل يتزاحم الكفّار على الركوب في الباص الذي سيقلّهم إلى جهنم؟

ربما هذه تشبهها، لكنها ليست جهنم، وهذا ليس موتًا.

فيما بعد الموت، لم يحدثنا أحد عن شوارع مغلقة بحواجز إسمنتية، وعن أشخاص يرتدون الثياب المموّهة، يجلسون على مفارق الطرق، على كنبات منزلية، بعضها فخم، يشربون “المتّة”، ويستمعون -طوال الوقت- لأغنية “شفافِك متل التوت”. من أين جاءت الكنبات المنزليّة الفخمة إلى زوايا شوارع الآخرة؟ هل هؤلاء ملائكة؟ يحرسون الـ… ماذا يحرس هؤلاء؟! وهل في الآخرة (وفيق حبيب) ومتّة؟!

إنه الموت بالتأكيد؛ حيث لا ينفع مالٌ ولا بنون.

رجل عجوز لا أعرفه، حدّثني -قبل قليل- عن أبنائه الأربعة، تركوه وحيدًا، و “هجّوا” إلى بلاد أخرى، رحلوا بعد أن اضطروا واضطر معهم، لبيع كل شيء يملكونه؛ ليوفروا نقود المهرّب وكلفة السفر؛ ضرب كفًا بكف: “ما بقي عندي لا مال ولا عيال”، وأضاف: “لكن الحمد لله، رحلوا قبل أن تأكلهم الحرب”.

هنا حربٌ إذن، في الآخرة لا توجد جيوش ولا حروب ولا قتال ولا مهربين ولا سفر، هناك الديّان فحسب، أين الديّان مما نحن فيه؟ إنه ليس الموت.

لكن كلّ الناس، أتحدث عن الناس الذين أعرفهم، وهم كثر، حدثوني عن شيء أعرفه وأعيشه، الآن وكل يوم، صديقي حمّاد في الرقة حدثني عن الشيء نفسه، ربما هناك “أو هنا” في الآخرة، وزّعها الله هكذا؛ كي لا نشعر بالوحشة وهو الرؤوف الرحيم، فعنده رقّة الآخرة وحمص الآخرة وكذلك حماة ودمشق…

عبد المتين من حمص، وإياد من درعا، وحمّاد كذلك، كلّهم هاتفوني وتحدثنا عن الشيء نفسه تقريبًا، أن تقف الناس في طريق طويلـ في آخره رجلان -على الأقل- يسمحان للناس بالمرور أو لا يسمحان، إنه الصراط المستقيم!

لا، لا، حرّاس هذا الصراط، على الرغم من الاختلافات الواضحة بينهم، بالبدلات المموّهة والبساطير العسكرية، أو بالجلابيب القصيرة إلى ما تحت الركبة، أو حتى بالجلابيب الطويلة التي تغطي الكلاش، وبكل العصائب التي على رؤوسهم، الصفراء والسوداء والخضراء، أو الملونة بغير ألوان، كلّهم يحملون بنادق، وهل يحمل الملائكة بنادق؟! ثم من قال: إنه مستقيم؟ في درعا والرّقة ودمشق، أنا أكيد أن هذا الصراط ليس مستقيمًا، فيه تفرعات وزواريب كثيرة واضحة، تراها بالعين المجرّدة، يغيب فيها الناس ولا يعودون.. هذا ليس الصراط المستقيم، وهؤلاء ليسوا ملائكة، وهنا ليست الآخرة، وهو -إذن- ليس الموت، وأنا لست ميتًا.

“أبانا الذي في السماوات” احتفظت في ذاكرتي بصورة حلوة لهذه العبارة، سمعتها من سيدة مصففة الشعر بعناية، ترتدي ثيابًا أنيقة، تجعلها جميلة، على الرغم من أنها أقرب إلى سن العجائز؛ في نهاية حديث مع امرأة أخرى، قالتها: “أبانا الذي في السماوات” هزّت رأسها بأسى، ثم غادرت.

كان ذلك في الحياة، حياة! مع أني أشعر أن ما كنّا فيه لم يكن الحياة، أقلّه لم تكن كالحياة التي نراها في السينما، أو نقرأ عنها في الكتب، أو نحلم بها عندما نغمض أعيننا ونستمع إلى الموسيقى.

ليست الحياة، لكن إن كنا في سماوات الآخرة، فأين (أبانا)؟ أين صاحب المكان؟ أيترك الأب أولاده في العراء؟ أليس عنده بيت؟ مدنٌ فارغة من أهلها، بيوت تنام على بيوت، ملابس نساء ما يزال عطرهن عليها، رسوم أطفال احترق نصفها، ونصفها مازال (ميكي) يضحك فيها ضحكة زهرية، كوفيّات رجال عجّز، يبدو أنها “زحطت” عن رؤوسهم على عجل وغفلة، مرايا لولا الغبار الأبيض الجديد الذي جلّلها، لرأينا عليها بصمات الأيدي الصغيرة التي مسحتها قبل قليل.

أبانا ليس هنا، ترك بيته للخراب، وتخلّى عن أبنائه، غضّ طرف رحمته عنهم، وهم على وجوههم هائمين في أرضه الواسعة… أي حكمة يا ألله؟!

إنه الموت، أجل إنه الموت، لكن أين أبانا ونحن عنده في سماواته؟

أطفال لا يعرفون آباءهم إلا عبر شاشة الجوال، الناس جياع، الجوع في العيون، كيف مات؟ صار السؤال الأكثر ترديدًا بين الناس، أمهات يغرقن أطفالهن في وسط البحر بأيديهن؛ كي لا يتعذب الطفل، ثم تستكين الأم نفسها لغرقٍ، خالية البال، حراّس حدود يقنصون الفارّين من الموت، فيقتلونهم في المناطق الآمنة، العدل ممسحة على باب الحاكم، حاكم الصدفة الوقحة، أهل القتيل يعتذرون من القاتل، زوجات ضحايا وشهداء الحرب، عشيقات سريّات/ علنيات، للجنود ومخبري الأمن، عشب ظلال الجدران وأوراق الشجر وجبات طعام لعائلات، عائلات خلقها الله؛ لتعبده وتسبّح بحمده، والطبيب بالرداء الأبيض، وعلى سرير المستشفى، يمارس ضد مرضاه من الأعداء، القتل الرجيم.

أذكر حديث أحدهم، ربما كان مدرّس الديانة، أو أحد ما على التلفزيون، لا أذكر، ربما لم يعد عندي ذاكرة، لكنّ أحدهم تحدّث عن عجائب آخر الزمن.. إنه الموت لا شك في ذلك. طبعًا هو الموت.. شمس النهار مشرقة، لكنها مغطّاة بدخان حرائق القصف وغبار البراميل المتفجرة، والأغنية التي يمكن الاستماع إليها بصوت مرتفع دون خوف، أغنية يغنيها الديك، والرجال في آخر الصراط يرسل بعضهم بعضًا إلى جهنم، أو يؤجلون ذلك، ولا ينفع مال ولا بنون، لم يبق مال ولا بنون، المال أخذه الجنود عندما اقتحموا البيت، والبنون أنزلهم الجنود من السيارة وأخذوهم إلى (الأخد عسكر)، وقهوة الجيران مغشوشة ورائحتها ككل الروائح مختلطة بروائح غريبة، آتية من الغوطة القريبة. النساء بائسات وتائهاتٌ العيون، الأطفال كبار ومتوحشون، والمسنون يبكون كل يوم بصمت، ينتظرون توقف القلب وخروج الروح، المدن خاوية، وحقول الريف تفحّمت، والبطون كالقلوب جائعة، والخبز اليومي العفن الذي يقتاته الجميع، هو الفقر.

خواء والبلاد ثكلى، بلاد الموت، نعم إنه الموت، هو الموت…

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق