قضايا المجتمع

التميز المظهري في الأيديولوجيا السلفية الجهادية

التميز السياسي أو الاعتقادي من خلال المظهر؛ ظاهرة عرفتها المجتمعات البشرية منذ أمد بعيد، ولا شك في أن عصر الصورة جعلها أكثر انتشارًا في المجتمعات؛ فكلنا يذكر في الأربعينيات كيف كانوا يقلدون شارب هتلر، ولحية لينين، وحلاقة الإنجليز… إلخ.

المسألة الملفتة للنظر، هي التشدد الواضح والفاقع الذي تصرّ عليه التنظيمات الإسلامية المتشددة في هذا المجال؛ فمنذ ظاهرة الأفغان العرب بداية التسعينيات؛ وصولًا إلى التنظيمات السلفية الجهادية على الأرض السورية خلال الثورة؛ بدأنا نلحظ هذا التميز الأيديولوجي، من خلال المظهر المختلف عند اتباع هذه التنظيمات -بكثرة- في مجتمعنا العربي، ولما دخلت السلفية الجهادية على خط الثورة السورية؛ بات شكل اللباس الذي يرتديه قادتها وعناصرها ومنظروها مميزًا لهم في المجتمع، ولو سألت أحدهم عن سرّ تمسكه بهذا المظهر، سيكون جوابه: إنه لباس شرعي على السنة النبوية.

والسؤال الذي يترتب عليه فهم الأيديولوجيا التي ينطلق منها هذا التميز المظهري لهذه التنظيمات: هل فعلاً هذا اللباس من السنة النبوية؟ أم وراء الأكمة ما وراءها؟

بالبحث والدراسة، سنجد أن هذا المظهر الذي يتميز به أتباع السلفية الجهادية في ظاهره؛ يُشير إلى الالتزام بالزي الإسلامي كما يدعون، ولكن حينما تبحث في حقيقته، تكتشف تدليسهم وخداعهم باسم الإسلام؛ لتجدَ بُعدًا أيديولوجيًا يقف خلف ذلك المظهر، يُراد منه إيصال رسائل إلى الآخر المختلف عنهم آيديولوجيًا؛ ليميزهم اجتماعيًا؛ فيعطي مؤشرًا استبانيًا إلى تكاثرهم ووجودهم في المجتمع! وهذا ما لا يعلمه الأفراد العاديون في تلك التنظيمات!

هنا يظهر “أبو الأعلى المودودي” على الساحة مجددًا؛ إذ أن فكره وما دعا إليه؛ ما انفكّ ملزمًا للسلفية الجهادية في استراتيجيتها؛ المودودي وضع أسسًا ومبادئ لينشر فكره بداية الأربعينيات؛ أرادها لتياره الذي أسسه، وأطلق عليه اسم “الجماعة الإسلامية”؛ هدف تلك الجماعة تطبيق الشريعة، وإقامة المجتمع الإسلامي؛ فوضع المرتكزات الأيديولوجية لها لعودة دولة الإسلام في الهند والباكستان؛ وقد تضمنت كتبه تلك الأيديولوجيا؛ ومن أشهرها وأهمها “النظرية السياسية في الإسلام”، و”الحاكمية” و”الحجاب”، وحينما تأسست السلفية الجهادية مطلع التسعينيات؛ تبنت أيديولوجيته كاملة؛ ونفذتها حرفيًا؛ ومنها التميز المظهري في اللباس.

طالب المودودي كل من ينتمي إلى أيدولوجيته أن يكون متميزًا في المجتمع بكل شيء (ذكرًا كان أم أنثى)، ويبدأ التميز من المظهر الشكلي؛ حتى يكونوا علامة واضحة في المجتمع؛ فنقاب المرأة لا بديل عنه ولا مساومة فيه، ولا بد أن يكون لها زيّ إسلاميّ، يميزها حتى عن المسلمات الأخريات؛ ولهذا فرض تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، في مناطق سيطرته، زيًا مميزًا للنساء المبايعات للبغدادي.

وهنا، نفهم انتشار ظاهرة الحجاب مطلع الثمانينيات؛ إذ كانت ذات “غاية سياسية” عند مَنْ روّج لها؛ عبادية شعائرية عند مَنْ التزم بها؛ وبالتالي، ندرك سر عداوة نظام الأسد الأب لهذه الظاهرة، حينما دعا إلى خلع الحجاب؛ من خلال الحادثة المشهورة التي وقعت في دمشق في ثمانينيات القرن الماضي؛ فـحافظ الأسد كان “مدركًا للبعد السياسي” في هذه الظاهرة؛ فحاربها بشدة؛ وعاد الأسد (الابن) لمحاربتها قبيل اندلاع الثورة السورية بأشهر؛ عندما أصدرت الأجهزة الأمنية تعليمات للمدارس، بفصل المنقبات من العمل التربوي؛ فالاستبداد قرأها سياسيًا لا عباديًا؛ إذ “لا مشكلة” له مع المتدين العادي؛ إنما ما يخيفه المتدين المؤدلج.

الرجل عند المودودي يجب أن يتمايز من خلال مظهره في المجتمع؛ فاعتمد اللباس الباكستاني مع بعض التعديل؛ ولا يزال هذا اللباس يرتديه أعضاء الجماعة الإسلامية في الباكستان حتى يومنا هذا، كذلك اعتمده تنظيم القاعدة؛ وهو ما تبنته السلفية الجهادية في سورية والعراق وليبيا اليوم، ومن خلال هذا المظهر يتحقق إعلان غير مباشر عن تميز اجتماعي وسياسي واعتقادي؛ للمؤمنين بالأيديولوجية السلفية الجهادية في “المجتمع الجاهلي”.

وتم التشدد عند السلفية الجهادية في النصوص التي تشرعن هذا المظهر؛ ورفض ما سواها بدعوة النسخ أو الضعف؛ وإقناع المنتسبين إلى تلك التنظيمات بأن هذا المظهر مُؤسس له في السنة النبوية؛ وعليهم الالتزام به.

هذا التميز المظهري لهم في المجتمع؛ يكون نقطة تساؤل الآخرين عن تلك الأفكار التي يحملها صاحب هذا المظهر؛ وجعلته يتميز عن البقية بمظهره؛ فتبدأ هنا عملية طرح أفكارهم، وهدم الأفكار المخالفة لمنهجهم؛ حيث يبدأ الهدم بحرمة الانتساب، أو العمل، مع التنظيمات السياسية المعاصرة؛ وشركية الاحتكام للدستور الوطني والقوانين الوضعية؛ لأن هذه الدائرة مقصورة على الذات الإلهية، حتى قال في كتابه (النظرية السياسية في الإسلام. ص:37): كل تشريع دستوري أو قانوني يخص المجتمع هو تعدٍ على الحاكمية الإلهية.

لم يعترف المودودي، ومن سار على نهجه من هذه التنظيمات، بدائرة المباح المؤكد عليها قرآنيًا، أو المسكوت عنه في الشريعة الإسلامية؛ وأنّ هناك أمورًا تعود إلى البشر؛ نتيجة تغير الأعراف والأماكن والعصور؛ لا علاقة للاعتقاد أو الشعائر بها؛ إلا أنه -ومِنْ بعدِه السلفية الجهادية- عدّوا كل ما يُشرعه البشر “يجب” الكفر به؛ لأنه تعٍد على الحاكمية الإلهية، وحينما يقبل المجتمع تشريعات دستورية تضبط حركة المجتمع، وسياسية تنظم العمل السياسي، يكون قد انصاع لحكم الجاهلية فغدا مرتدًا مشركًا.

لذلك دعا إلى سلطة النص، ورفض كل ما سواها، فتلقفت السلفية الجهادية هذه الأفكار؛ وجعلتها مقدسًة، ممنوع الحوار فيها، ومن خلال هذه الأيديولوجيا؛ يتم الانقلاب على المجتمع والدخول في حرب لا هوادة فيها؛ مهما كانت النتائج من خراب أو دمار أو تشريد؛ لأنها أعظم الجهاد في سبيل الله.

وليس المراد من هذا المظهر تطبيق السنة النبوية فحسب؛ إنما التميز الأيديولوجي الفارز للمجتمع، ما بين مؤمٍن وجاهلي؛ هنا ندرك سرّ اصرار تلك الجماعات على الزي الباكستاني الذي ابتدعه المودودي، وبالتالي، يمكننا القول: إن الأيديولوجيا التي وضعها المودودي؛ وتبنتها السلفية الجهادية، تهيمن على سلوك منتسبيها؛ كذلك يعملون على فصل المجتمع المؤمن عن الجاهلي؛ كي لا يتأثر به؛ وبذا نعرف علة فتواهم بـ “تحريم” التلفزيون والأنترنت وما شابههما؟ وعلى المؤمنين بهذه الأفكار أن يتميزوا في كل شيء بدءًا من المظهر الشكلي والأفكار، وانتهاءً بالسلوك؛ من هذا، نفهم لِمَ وضع المودودي كتابه (الحجاب)، ودافع عنه دفاعًا شرسًا، وهذه الانفصالية عن الآخر نوع من الدعوة إلى عطالة الإنسان اجتماعيًا؛ ورفضه للتشاركية مع الآخر في الحياة؛ وسنّة التعارف التي دعا إليها القرآن الكريم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق