أدب وفنون

“حَرْق البلد” عن السوريّين في الثورة والحرب

بعد أن شرّح مؤلّفا كتاب (“حَرْق البلد” عن السوريين في الثورة والحرب): روبين ياسين قصّاب، وليلى الشامي، الوضع السوري قبل الثورة، وكشفا -بإسهاب- فترة حكم الرئيس الأب، مؤسس نظام الاستبداد في سورية، وابنه الوريث غير الشرعي للنظام، يورد الكاتبان اقتباسًا عن الطبيب والفيلسوف الاجتماعي فرانز فانون، الذي ألهمت كتاباته ونضالاته حركات تحرر عديدة في العالم: “حين نقوم بثورةٍ ما، فإننا لا نفعل ذلك خدمة لثقافة ما، إننا نقوم بذلك؛ لأننا -ولعدّة أسباب- على وشك الاختناق، ببساطة”.

 

ثورة الكرامة تهدّد الخرائط الكولونيالية

على غرار “البوعزيزي” أضرم رجل سوريّ يدعى حسن علي عقلة، النار في نفسه؛ وذلك، في إحدى بلدات الحسكة، وفي تلك الأثناء أثار زلزال الربيع العربي هزّات ارتدادية عبر العالم، ووصلت الاحتجاجات إلى قلب نيويورك. يومئذ، خرج الناس في مظاهرات عفوية وغير منظّمة ضد الفقر والنخب السياسية والمالية؛ مطالبين بالعدالة والمساواة، ولم تكن وراءهم أحزاب سياسية ولا قيادات، ولم تكن الشعارات الاشتراكية ولا الإسلامية –كذلك- على لائحة مطالبهم.

تميّز المكوّن الثوري بغنى تركيبته؛ حيث شكّلت الأجيال الشابّة قوامه، وكانت النشاطات الثورية عابرة للانقسامات الدينية أو الطائفية، كما لم تقتصر على عرق أو جنس، وكانت الحرية هي العقيدة الوحيدة التي تمسّك بها الشارع المنتفض.

راحت الموجة الثورية تنحت جغرافيا جديدة، بدا أنّها ستقوّض الخرائط التي أرستها الحقبة الاستعمارية، وفيما كانت المظاهرات تغلق شوارع تونس ومصر وليبيا، تساءل الشبّان السوريون: “متى سيأتي دورنا؟” وبالفعل، أتت الإجابة من ساحة الحريقة التي أخذت اسمها عن إحراق الفرنسيين لذلك الحيّ، إبان استعمارهم لسورية، هناك صدح المتظاهرون بشعار “الشعب السوري ما بينذلّ”، لم تكن تلك دعوة للثورة، بقدر ما كانت مؤشّرًا إلى كسر حاجز الخوف.

 

سياسة الأرض المحروقة وتطييف الصراع

استثمر النظام عبر تاريخه في مراكمة الخوف، وفي تجهيل السوريين بعضهم لبعض، وبدلًا من تفعيل حوار وطني يهدف إلى إزالة التراكمات التاريخية السلبية لسياساته، حرّم النظام الحديث عن الطوائف، بينما احتكر لنفسه ممارسة الطائفية بما يخدم سياساته.

يعرض المؤلّفان تمرّس النظام السوري في استغلال الانقسامات الطائفية والاثنية، وتحويلها إلى وسائل للحُكم، فعلى الرغم من أنّ كثير من أبناء الأقليات من الدروز والعلويين والإسماعيليين وغيرهم انخرطوا منذ الأيام الأولى في الحراك الشعبيّ، وكانوا يلتحقون بصلاة الجمعة في المساجد؛ بغية المشاركة في المظاهرات التي كانت تنطلق بعدها عادة، إلاّ أنّ النظام، وبما راكمه من سياسات مدروسة، استطاع تحويل الصراع من أجل الحرية والكرامة إلى صراعٍ طائفيّ في أحد أشكاله.

لم يتوانَ النظام عن انتهاج سياسة الأرض المحروقة ضدّ الحاضنة الثوريّة، فقد توصّلت الدائرة الضيّقة للسلطة -إثر متابعتها عن كثب لما آلت إليه الأمور في عواصم الربيع العربي التي سبقت دمشق- إلى ضرورة عدم الانزلاق نحو سياسة التنازلات، وأمام صعوبة موقفه الذي عكسه اتّساع دائرة الاحتجاجات، لجأ النظام وأجهزته الاستخباراتية المتعدّدة إلى الورقة الطائفية -كملاذ أخير- لإثارة استقطاب جعل المواجهة حربًا بالوكالة بين الشيعة والسنة، استعانَ فيها بحلفائه من الإيرانيين والميليشيات المذهبية، وقادت تلك السياسة الواعية للنظام إلى جذب المتطرّفين -من خارج الحدود- للانخراط في التنظيمات المتشددة التي تقع على الجانب الآخر من الخصومة التاريخية التي يرى المؤلّفان بأنها سياسية أكثر من كونها عقائدية.

 

الثورة المنسيّة – السّوريّون بِمُفرَدهم

يشدّد الكتاب على أنّ السّوريين تُرِكوا بمفردهم؛ إذْ أدارَ “ما يسمّى -زورًا- بالمجتمع الدولي” ظهره لهم -كما يصفه المؤلّفان- ليستفرد بهم النظام بآلة عنفه وتنكيله غير المسبوق، كذلك عمدت وسائل الإعلام الغربي كثيرة، إمّا إلى تشويههم، أو إلى تجاهلهم في أحسن الأحوال، وتخاذل هذا المجتمع عن استحقاقاته الأخلاقية والإنسانية؛ ليعلو أزيز الرصاص، وتغمر أصوات المعركة أصوات أولئك الذين صدحوا بالأغنيات والشعارات الوطنية التي أكّدت وحدة السوريين وتوقهم إلى الحرية والكرامة. وبإصراره على العنف والبطش، فقد أوجد النظام السّياق الذي لطالما توخّاه في عسكرة الثورة السلمية، وتحويلها إلى صراع طائفي وإقليمي ودولي.

ولعلّ أحد أكثر الأدلّة الدامغة التي يقدّمها الكتاب حول تخلّف السياسة الدولية، يتمثّل في سخريته اللاذعة من سياسة الإدارة الأميركية “الواقعية الساخرة” التي أيّدت الجيش الحرّ، لكنّها رفضت تقديم سلاح حاسم له؛ وبدلًا من ذلك، حافظت على تزويده بما يضمن استمرار المعركة فحسب، وفي الواقع، وكما يقول المؤلّفان، فإنّ الولايات المتحدة رغبت في إزالة “صورية” للنظام تضمن الحفاظ على جوهره، بذريعة تجنّب كارثة مشابهة للكارثة العراقية. إلاّ أنّ تلك السياسة قادت -في رأي مؤلفي الكتاب- إلى كارثة أكبر، تمثّلت في نشوء تنظيم الدولة الإسلامية في كل من العراق وسورية، على حدّ سواء. كانت رسالة المجتمع الدولي -وفي طليعته أميركا- واضحة للسوريين بعد هجوم الغوطة المشؤوم بالغازات السامة وهي: أنّ أحدًا لن يمكنه مساعدتكم، الملف السوري بأيدي الرّوس.

 

الحاضنة الشعبية

يبرِز الكتاب أهمية الحاضنة الشعبية، وكيف تماسك مجتمع الثورة أمام الأهوال التي مارسها النظام مستعينًا بحلفائه، وكيف واجه السوريون الحصار والتجويع والاختناق بالغازات السامة والعذابات التي لا تخطر في بال كائن بشريّ. كما يركزان على شكّل حضور المرأة في المجتمع الثوريّ كعلامةً فارقة، تفنّد مزاعم النظام حول “العصابات الإرهابية”، ويفرد الكتاب مساحةً لاستعراض تجربة لجان التنسيق والمجالس المحلية، كتجربة رائدة دعمت مسار الثورة، على الرغم من التصحّر السياسي، وتغييب المجتمع المدني من جراء عقود من السياسة الأسدية.

وينقل المؤلّفان عن أحد الناشطين قوله: “لم يكن لدينا أي معرفة بالمجتمع المدني المنظّم، كان علينا أن نتعلّم في غمرة الأحداث”، لا قيادات ولا أحزاب بل تنسيقيات محليّة، برلمان تحت الأرض؛ تجربة فريدة لعبت فيها رزان زيتونة، بحكم خبرتها دورًا أساسيًا في تنظيم عمل اللجان، ووضع خطة عمل تضمن تغطية إعلامية -على أوسع نطاق ممكن- لما يجري على الأرض. لم يكن هنالك نماذج ولا هياكل رسمية، كانت العفوية فوق كل شيء، وحثّت لجان التنسيق المحلّي ممثّليها على تعزيز التمسّك بالسلمية ونبذ الخطاب الطائفي، وعدم الانجرار وراء ما يرمي إليه النظام وأجهزة مخابراته، ولم يكن من السهل الوصول إلى وسائل الإعلام التقليدية في العالم العربي، والتي فضّلت أن تفرد مساحاتها للمعارضة الإسلامية بدلًا من لجان التنسيق نفسها.

وحول تجربة لجان التنسيق ينقل الكتاب عن أحدِ الناشطين البارزين قوله:” إنّ لجان التنسيق ارتكبت خطأً في تبنّيها العمل الإغاثي، كان ذلك فوق طاقتها، وخارج نطاق خبراتها، وبينما أحجمت الدول المانحة عن التعامل معنا بوصفنا (متمردين) في نظرها، وجد كثير من المنظّمات غير الحكومية التي تعرف بالـ NGOs، في لجان التنسيق، وسيلةً تكاد تكون عديمة التكلفة؛ للولوج إلى الداخل السوري؛ مع ذلك، ظلّ الشباب الثائر ينظر بالكثير من الريبة لأي تشكيل سياسي يدّعي تمثيله لهم.

 

العسكرة والتحرير

بحسب وجهة نظر مؤلفَي الكتاب، لم تكن عسكرة الثورة مجرد استجابة بشرية طبيعية لوحشية النظام، بل جاءت –أيضًا- من إدراك الجميع أنّ هذا النظام سيمضي في مواجهتها بالعنف حتى النهاية، كان فائض العنف أكثر من قدرة الناس على الاحتمال، وبدا إضراب الكرامة، بمنزلة عبث أمام نظام يحصل على دعم إيراني وروسي غير محدود.

مع نهاية عام 2011، لم تعد ظاهرة العسكرة تقتصر على جيوب معينة، كمناطق جسر الشغور وجبل الزاوية وحمص، انتشر السلاح في أرجاء البلاد، وظلّ الضمير الثوري حاضرًا حتى في العسكرة، إذ كان مجتمع الثورة هو من بادر إلى تشكيل جسم مسؤول عن توثيق الانتهاكات، بجهود خاصة من الناشطة الحقوقية رزان زيتونة، التي كرّس المؤلّفان إهداء هذا الكتاب إليها، حيث سبق لأحد مؤلّفَيه، وهي الباحثة ليلى الشامي، أن عملت مع رزان لسنوات، كما أشرفت رزان على دورات تدريبية في مجال القانون لعدد من قادة الفصائل المسلحة.

وفي استعراضه لتجربة الجيش الحرّ، يتحدث الكتاب عن غياب الدعم الحقيقي والفعال لهذا الكيان؛ ما جعل منه كتائب غير منظّمة سهُل اختراقها من القوى الإقليمية والعالمية، بما يخدم مصالحها. لم تكن هنالك إرادة حقيقية لتفعيل هذا الكيان، وفي الحقيقة؛ لم يكن جيشًا سوى بالاسم. لقد تحوّل المقاتلون أنفسهم إلى ضحايا للخلافات والصراعات بين الدول الإقليمية التي تمولّهم.

 

الأرض المحروقة وصعود الأسلمة – التطرّف يقاتل باسم الثورة

يقول أحد الناشطين بأنّ النظام “تمكّن من تحويل البروباغاندا، التي لطالما سخرنا منها -حول الإمارات الإسلامية والسلفية- إلى واقع. لقد أوجد (النظام) كل الشروط الملائمة لخلقها”.

يعود الكتاب بالتاريخ إلى الوراء؛ لتَتَبّع صعود الإسلام السياسي في المنطقة، تزامنًا مع هزيمة 1967، وانكسار الحلم القومي، وقيام الثورة الإسلامية في إيران، فقد عزّزت تلك الأحوال من انحسار الليبرالية التي عرفتها سورية في “الستينيات”.

ومع بداية الثورة السورية، وفي الوقت الذي كان النظام يشن فيه حربًا شعواء على الناشطين السلميين من المدنيين، أطلق من سجونه قرابة 1500 معتقل من السلفيين؛ وفي رأي مؤلفَي الكتاب، فإن الأسلمة لم تأتِ ردّة فعل على العلمانية، كما يتوهّم بعضهم، وإنما نتيجةً لممارسات الدولة الأمنية وفساد النظام التعليمي والاقتصادي وكبت الحريات، وفي مقدمتها: حرية التعبير؛ فعادةً ما يلجأ الناس إلى الأخلاقيات الدينية حين يغيب القانون ويسود الفساد.

توزّع محتوى الكتاب على 289 صفحة، تضمّنت عشر محاور أساسية، حملت العناوين التالية، بحسب ترتيبها في قائمة المحتويات: الثورة من الأعلى، العقد الأول من حكم بشار الأسد، الثورة من الأسفل، الحاضنة الشعبية، العسكرة والتحرير، الأرض المحروقة-صعود الأسلَمة، السّلب والتهجير، ثورة في الثقافة، فشل النُّخَب، بداية التضامن.

والجدير بالذكر أنّ الكتاب حظي، ومنذ صدوره، باهتمام الصحافة العالمية؛ إذ قدّمت له كبرى الصحف مراجعاتٍ مهمة، آخذةً محتواه في عداد الوثائق التي تزخر بتفاصيل وشهادات حيّة حول الحدث السوري، لم يسبق وأن قُدّمت للقارئ الغربي.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق