هموم ثقافية

في فوضى المصطلحات والمفاهيم

كان بديع الكسم، كبير أساتذة الفلسفة الذين عرفتهم جامعة دمشق طوال تاريخها، يقول ساخرًا كلما جرى الحديث حول كوارث الأخطاء التي يلقاها القارئ العربي في الكتب المترجمة: إن الكاتب العربي إذا ترجم ألَّف وإذا ألَّف ترجم!

 

قد يجد بعضهم في هذه السخرية مبالغة في التشخيص. لكن نظرة في ما لفظته وتلفظه المطابع العربية من ترجمات في فروع المعرفة المختلفة، ومن مؤلفات في العلوم الإنسانية والاجتماعية بوجه خاص، تجعل من هذه الجملة الساخرة جملة تصف بدقة صارمة الحالة الراهنة للعمل الثقافي العربي عمومًا؛ إذ حين نعثر -على سبيل المثال- في كتاب جماعي، يضم مجموعة من الأبحاث في العلوم الاجتماعية باللغة الفرنسية مع ترجمتها إلى العربية، على مفهوم ساد أبحاث العلوم الاجتماعية في النصف الثاني من القرن العشرين، بترجمات اختلفت باختلاف المترجمين، ولم ينتبه المشرف على الكتاب أو ناشره، وهو منظمة عربية إقليمية، إلى هذا الاختلاف الفاضح، فلا بد أن يعني ذلك وجود خللٍ ما أكثر عمقًا مما يبدو على سطح المشهد الثقافي والفكري اليوم في عالمنا العربي. خللٌ لم يكن موجودًا بهذا القدر من قبل، وإن كانت بوادره قد بدأت في الظهور منذ منتصف القرن الماضي.

 

لا يعكس الاختلاف -هنا- تعددًا في الاجتهادات أو في طرق الفهم، بقدر ما يعكس ظاهرتين: أولاهما خللٌ في الفهم نفسه أدى إلى خطأ في الترجمة، لا يتوقف عند ترجمة مصطلح بعينه، بل يمتد؛ ليشمل معظم ترجمات مصطلحات العلوم الإنسانية والاجتماعية ومفاهيمها، وثانيتهما وجود شرخٍ عميقٍ لا يزال قائمًا بين الثقافة العربية المعاصرة والثقافات الغربية الأخرى -على اختلافها- يعكس قصورًا، لا في فهم أدواتها المجسدة -خصوصًا في المفاهيم- ولا في إدراك دلالات المصطلحات المنحوتة أو المعتمدة؛ لترافق مبتكرات العقل الغربي وبحثه الدائم فحسب، بل وكذلك أساسًا في قصور البحث الثقافي العربي الملازم لتعثر عملية النهضة العربية برمتها وعدم قدرته بالتالي عن التجديد والابتكار في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية، فضلًا عن العلوم الدقيقة بالطبع. ولذلك أثره الواضح في الترجمة الذي يؤدي -بدوره- إلى فهم يعتور كل شيء في الحياة عمومًا، المواقف الفكرية والسياسية في الحياة الثقافية، والمؤسسات، على اختلافها، في الحياة الاجتماعية.

 

ويكفي أن نرى كيف تناقش اليوم -سواء في الأبحاث أو في وسائل الإعلام أو على صفحات الشبكات العنكبوتية- مفاهيم تبدو في ظاهرها شديدة الوضوح، مثل: العلمانية أو الديمقراطية من ناحية، وكيف يجري خلط المفاهيم في معالجة وقائع اجتماعية محددة في الزمان وفي المكان، من ناحية أخرى؛ إذ ما الذي يجعل -على سبيل المثال- عدّ العلمانية مفهومًا يناهض الدين أو يدعو إلى إلغائه في الوقت الذي تعني -في أساسها- فصل الفضاء الديني عن الفضاء السياسي، واحترام هذا الأخير لمختلف الأديان، ضمن فضاءاتها الخاصة بها؟ وما الذي يجعل من الديمقراطية مجرد إجراء يقتصر على حق الانتخاب، في حين أنها نظام متماسك على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية المتكاملة والشاملة؟ هل هو سوء الترجمة أم القصور في الفهم أم التكاسل عن الشرح أم كل ذلك معًا؟ ثم ما الذي يبرر -على سبيل المثال- لباحثين عرب اعتماد مبدأ خلط مفاهيم متباينة في تحليل واقع اجتماعي سياسي في العراق مثلًا -ـوهم أدرى بشعابه- تمامًا كما فعل مؤرخان فرنسيان: غابرييل مارتينيز غرو، ولوسيت فالانسي، في كتابهما الإسلام المنشق، الصادر عام 2004 حين استخدما مفاهيم إثنية ودينية جنبًا إلى جنب: السنة والشيعة والأكراد؟ ولماذا لا يتم التمييز بين المفاهيم الإثنية: عرب وأكراد، والمفاهيم الدينية: سنة وشيعة؟ حين يُعترضُ على هذا الخلط -غير المبرر- بما أن العرب سنة وشيعة، في آن واحد، وأن الأكراد سنة أيضًا، لو اقتصر الأمر على استخدام المفهوم الديني في التحليل، فإنهما يكتفيان بالإجابة بأن هذه المفاهيم عملية ووظيفية في البحث التاريخي والاجتماعي!

 

ونظرًا لارتباطه بمجمل الحركيات الاجتماعية العربية الحالية، لن يكون حل هذه الإشكالات سهلًا، سواء على صعيد الترجمة أو على صعيد البحث العلمي، وإن كان من الممكن تصور مثل هذا الحل على صعيد الأولى بوصفها عملية تاريخية حاسمة لابد منها كمدخل إلى العملية التاريخية الأخرى. في هذا المجال، ندر من حاول، من مسؤولي مراكز الترجمة، حلَّ مثل هذا الإشكال في فوضى ترجمة المصطلحات والمفاهيم السائدة، وربما كان الطاهر لبيب، الوحيد بينهم الذي شرع في هذا الاتجاه، حين وضع قاعدة عامة لكل من تعاونت معه المنظمة العربية للترجمة ببيروت التي كان مديرها المؤسس لسنوات عدة، فرض عبرها على المترجم وضع جدول بترجمته المقترحة للمصطلحات الأساس الواردة في الكتاب، وبفضل تراكم هذه الجداول بالمصطلحات المقترحة في كل واحد من الكتب المترجمة التي زاد عددها عن المائتين حتى عام 2012، أمكن العمل في مشروع طموح يهدف إلى توحيد ترجمة المصطلحات من خلال وضع قاعدة بيانات بالمصطلحات المستخدمة في مختلف الفروع الأدبية والفنية والعلمية، ومحاولة توحيدها -قدر الإمكان- بحيث تؤلف شيئًا فشيئًا دليل المترجم في متاهة المصطلحات السائدة. بيد أن ما رأيناه من فوضى في ترجمة المصطلح الواحد في كتاب جماعي واحد، لا يزال قائمًا في ترجمة العديد من المصطلحات التي استخدمها مترجمو المنظمة الذين اعتمدت قوائم ترجماتهم للمصطلحات، رغم الجهد المبذول هنا في هذا العمل الذي يخطو رغم كل شيء خطواته الأولى. ذلك أنه يتوقف عند مرحلة مقترحات المترجمين ومحاولة توحيدها دون البتِّ في نجوعها أو في دقتها أو في احتوائها دلالة المصطلح الأصل وفضاء مفهومه.  ذلك يشير في آن واحد إلى ضخامة المشروع وسعة آفاقه وإلى ما يتطلبه من جهد يتجاوز في حجمه وفي كلفته إلى حد كبير، إمكانات مؤسسة تبقى -رغم طموح مسؤوليها وجهدهم المحمود- محدودة الإمكانات البشرية والمالية الضرورية لتحقيق هذا الطموح. ويبقى على كل حال أن الاستفادة من هذا العمل في حالته الراهنة، على قصوره وعدم اكتماله، لا يزال قصْرًا على عدد قليل من المترجمين في مختلف البلدان العربية.

 

من المؤكد أن المؤسسات العربية الإقليمية لن تقوم بهذا المشروع. فقد أثبتت فشلها الكامل على كل الأصعدة ما دامت المنظمة الأم، أي الجامعة العربية، تعاني الشلل الأكبر. وستبقى الفوضى في هذه الحالة سائدة ما لم تتضافر مراكز الترجمة الخاصة والعامة في العالم العربي، كي تقوم باعتماد هذا المشروع الطموح والمضي في وضعه موضع التنفيذ حتى نهايته، على أن يشرف عليه خبراء في مختلف الفروع العلمية واللغوية من مشرق العالم العربي ومغربه، بحيث يؤدي إلى وضع قاموس بالمصطلحات وبالمفاهيم لا يكتفي باعتماد مقابلها العربي الموحد؛ بل يبرر اختياره لها ويشرح مختلف معانيها ودلالاتها واستخداماتها.

 

ذلك هو المخرج الوحيد من هذا النفق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق